السبت، 28 سبتمبر، 2013

كيف مات باراباس؟


قبل أسابيع، التقطت من مكتبتي رواية قصيرة لا تتعدى صفحاتها المئة والأربعين: "باراباس".. ياله من اسم! كنت أبحث عن قراءة سريعة وخفيفة، وبالفعل، كانت قراءة سريعة، لكنها لم تكن خفيفة أبدا. لم أكن قد سمعت بمؤلفها السويدي بار لاغركفيست، رغم أنه أحد الفائزين بنوبل، ولعلي الآن أستطيع أن أقول أنه من أكثر النوبليين جدارة بالجائزة. قلت أن القراءة كانت سريعة، والسبب يعود إلى أسلوب مؤلفها الذي ما إن تقرأ حتى يأخذ بتلابيبك، هذا الأسلوب الساحر المتقشف والذي يعتمد في إيجازه على الإيحاء والصور الشعرية المركزة. لاغركفيست ينتمي إلى المدرسة التعبيرية Expressionist  وكل صورة يرسهما من شأنها أن تظل عالقة في عقلك بما تستدعيه من خلجات وأسرار تفضح أغوار النفس البشرية. قلت أيضا أن القراءة لم تكن خفيفة، والسبب يعود إلى موضوعها بالغ الجدية: الإيمان والإلحاد.. والذي لم أقرأ رواية تتناوله من قبله بهذه المهارة والعمق.

باراباس هي تلك الشخصية الإنجيلية التي وردت في هامش قصة صلب المسيح. تقول القصة أن الحاكم الروماني بونتيوس بايلت عندما التقى بالمسيح أشفق عليه وتأكد من سلامة سريرته وأراد أن يطلق سراحه. لم يكن الأمر بهذه السهولة، إذ أن أحبار اليهود أخذوا يرددون أن هذا الشاب كان ينادي بمجيء مملكة الرب كي تحل مكان مملكة القيصر. كيف يمكن لبونتيوس بايلت أن يعفو عن رجل ألصقت به هذه التهمة السياسية الخطرة؟ أراد بايلت أن يرمي بالمسؤولية على عاتق اليهود، وكمحاولة أخيرة؛ عرض عليهم أن يستغلوا فرصة "عيد الجمعة الكبير" كي يختاروا العفو عن أحد السجينين اللذين سيُمضى بأحدهما إلى هضبة الجلجلة كي يُصلب. السجين الأول كان عيسى المسيح، والثاني باراباس. نعم، باراباس؛ المجرم القاتل، ذو الندبة الطويلة والروح المشوهة. وكانت المفاجأة؛ فاختارت اليهود باراباس، ليمضي إلى حال سبيله، وليصلب المسيح، كما في القصة الإنجيلية.


بار لاغركفيست اختار شخصية باراباس هذه كي تكون بطله الذي سيمضي به في رحلته الروحية الطويلة من أورشليم إلى روما. تبدأ القصة بمشهد باراباس وهو يتأمل الرجل النحيل المصلوب مكانه فوق الجلجلة، وستنتهي على المصالب التي أقامها نيرون للمسيحيين في روما بعد أن اتهمهم بالسعي لحرقها. كيف يجدر بي أن أتحدث عن هذه الرواية القصيرة ذات الصفحات المئة والأربعين؟ سأركز على ثلاثة مشاهد مفصلية: الأول هو أكثر الحوادث تعبيرا عن شخصية باراباس، الثاني هو أكثرها تعبيرا عن مخاوفه وبحثه الروحي، والثالث هو ذاك الذي تبلغ فيه الأحداث ذروتها. كما أسلفنا، بار لاغركفيست مؤلف تعبيري، ولذا الأجدى التوقف عند هذه المشاهد الموحية واستناطقها ما أمكن. 

المشهد الذي يعبر عن شخصية باراباس هو ذاك الذي يرد في نصف الرواية الثاني، عندما يقع باراباس أسيرا في يد الرومان، ليعمل في مناجم تحت الأرض. هناك التقى بساهاك، الرجل الذي يخفي إيمانه بالمسيح، وعندما توطدت الصداقة بين الرجلين باح ساهاك بسره إلى صديقه، وأراه القرص الذي يرتديه في قلادة حول عنقه، وقد نقش على ظهره اسم السيد المسيح (إيسوس كريستوس) بدلا من اسم القيصر. ولأن قصة باراباس بكاملها هي قصة ذاك الرجل الذي يريد من أعماق قلبه أن يؤمن إلا أنه عاجز عن الإيمان بدون قناعة حقيقة، عندها يطلب من ساهاك أن ينقش اسم المسيح أيضا على ظهر قرصه. وعندما يفتضح أمرهما ويشي بهما أحد الجواسيس، تحدث تلك المحاورة الرائعة بين الحاكم الروماني المحلي وباراباس: 
- أنت لا تؤمن؟ لمَ إذا تحمل اسمه على قرصك؟ أليس هو إلهك؟ أليس هذا ما يشي به النقش؟
- أنا بلا إله
- لكن لا أفهم. لمَ، إذا تحمل هذا "اليسوع المسيح" منقوشة على قرصك؟
- لأني أريد أن أؤمن.
هذا إذن باراباس، إنها شخصية الملحد الذي يريد من أعماق قلبه أن يؤمن، غير أن صرامته العقلية وصدقه القاسي مع نفسه، يجعلانه يرفض أن يفعل دون اقتناع كامل. لكن ما الذي جعل باراباس يتلهف إلى الإيمان؟ ما الذي جعل هذا المراقب الصامت لجموع المسيحيين يحاول الاقتراب منهم ومن ديانتهم؟ لقد كانت حاجته للإيمان تدور على مستويين، وحول هذين المستويين بما يدور بينهما من تجاذب وشد تدور كل القصة: كان يحتاج الإيمان كمنظومة تقدم إجابات على أسئلته الميتافيزيقية، وكان يحتاج الإيمان أيضا كرابطة روحية تربطه ببشر آخرين، ببشر يعيشون متآخين في هذا الزمن المتوحش.

المشهد المفصلي في الرواية والذي يعبر عن رحلة باراباس الروحية هو مشهد لقائه بلعازر، الرجل الذي أعاده عيسى المسيح إلى الحياة. منذ حدثت تلك المعجزة، وحتى بعد أن صلب المسيح ورفع، أصبح لعازر قبلة لكل أولئك المتشككين، حيث يأخذهم الحواريون لمقابلة لعازر، والذي ما إن يقص عليهم ما جرى ويؤكد لهم ما يُروى عنه حتى يهرع أكثرهم إلى الإيمان. لكن ليس باراباس! عندما التقى الأخير بلعازر، سأله لعازر ماذا يريد أن يعرف، فكانت المفاجأة عندما سأله باراباس عن العالم الآخر، مملكة الموتى، كيف كانت وبماذا أحس؟ السؤال أربك لعازر وأثار حنقه. هذا الرجل لم يأت ليستمع إلى المعجزة وإنما كي يسأل مملكة الموت! لم يسبق أن سئل لازارس مثل هذا السؤال. 
- لم أجرب شيئا. كنت مجرد ميت. والموت لا شيء.
- لا شيء؟
- لا. ماذا يجب أن يكون؟ أتقصد أنك تريد مني أن أخبرك عن مملكة الموتى؟ لا أستطيع. مملكة الموتى ليست أي شيء. إنها موجودة، لكنها موجودة بصفتها لاشيء.
بعد هذا المشهد، وعلى طول الرواية، سوف يتصارع باراباس مع فكرة العدم الذي ينتظره بعد الموت، وبدل أن يلقى فيها راحة روحية على الطريقة الأبيقورية (حيث تنتشر الذرات في العماء بعد الموت) تصبح هذه الفكرة مصدر فزع لديه.

أما المشهد الثالث -المشهد الذروة- فهو قصة ضياع باراباس في متاهات القبور في آخر الرواية. كان لزاما عليه أن يجد نفسه تائها فعليا بين الأموات والجثث كي يتحول هذا الوضع المادي إلى تشبيه معنوي metaphor سيحمله باراباس إلى أقصى تعبيراته ليجده منطبقا على جميع مراحل حياته؛ نعم إن روحه ضائعة، ميتة، إنه تائه، ووحيد! لقد أصابه هذا اليقين المفاجيء بالذعر، وأحس بحاجة ملحة للانضواء تحت راية المسيح والإيمان به. ها هنا تجاذب حاد -كما قلنا سابقا- بين حاجته للإيمان كي يتخلص من الوحدة، وحاجته للإيمان الميتافيزيقي ذي الأجوبة. ولذا يؤمن باراباس بطريقته الخاصة، فرسالة الرحمة المسيحية لا تصلح لهذا العالم الفاسد المتوحش، وهكذا يجب أن يشعل النيران مع المخربين كي يمهد الطريق لعصر المسيح ويسوي هذا العالم الفاسد بالأرض.

الخاتمة التراجيدية في باراباس هي أنه لم يتم رفضه من قبل الإله، بل من قبل المؤمنين أنفسهم. إنه الرجل الذي تنكر للمسيح وشَطب اسمه من على قرصه كي ينجو، ولذا تنكروا له. ولكن، أليست المسيحية هي دين الرحمة، ألا يوجد شيء يثير الشفقة في هذا الشخص الضعيف الذي يريد من أعماق قلبه أن يؤمن؟ إخفاق باراباس للوصول إلى الإيمان أدى به إلى هذه الخاتمة التراجيدية والمنطقية معا: فبينما سيق المسيحيون أزواجا إلى الصلبان، ها هو باراباس في نهاية الرواية يُقاد وحيدا خائفا إلى موته. لقد رفض الإيمان كإجابة ميتافيزيقية ترضي عقله، وهكذا رفضه الإيمان كرابطة روحية ومصدر عزاء ضد الوحدة و الخوف.

لا ندري في آخر عبارة له، عندما قال: "إليك أسلم روحي" .. هل كان يخاطب الله أم العدم؟ كيف مات باراباس؟ مؤمنا أم ملحدا؟ إنه سؤال الرواية الأهم، وهو ما سيجعلها عالقة لشهور في عقلك. أكاد أزعم أن هذا هو أفضل توظيف قرأته لخاصية التعمية والإغماض في النهايات. هناك حدس داخلي يميل إلى أن باراباس مات ملحدا، وخصوصا أن المؤلف ملحد أيضا. إذن ها هو باراباس -لأول مرة- يسلم نفسه بارتياح إلى العدم. كيف حصل هذا؟ وهو الذي قضى حياته يجاهد فكرة العدم الذي ينتظره بعد الموت؟ لقد كان تعبا، ولم يعد يطيق ولا يفهم تعب هذه الحياة ووحشيتها، وهو ما قد يفسر العبارة الأخيرة التي تكاد تسمع فيها نغمة صوفية منتشية قبل أن يلفظ نفسه الأخير!

يُحسب للرواية أمانتها القاسية في تصوير الجانب الأخلاقي والوحشي للإنسان. هي تمتليء بمشاهد تقشعر لها الأبدان من ممارسات لا تتوقف عند لامبالاة الإنسان وحسب، وإنما تظهر تلذذه وحيوانيته وهو يرى غيره يتعذب ويُسحل ويُصلب. هذه الممارسات ليست محصورة على طائفة واحدة في الرواية، بل نجد المسيحيين أنفسهم -وهم الذين يتعرضون للمطاردة والتعذيب في تلك الحقبة- لا يتورعون عن تكشير أنيابهم كلما سنحت فرصة. على نفس الخط نجد باراباس الملحد يقوم أحيانا بأعمال أخلاقية أو إيمانية لا يفهمها، كحمله جثة الفتاة ذات الشفة المشرومة كي يدفنها جانب وليدها المجهض.

هنا تظهر عبقرية المؤلف في أبهى صورها. فرغم أن باراباس يؤمن أن دفن الفتاة ذات الشفة المشرومة بجانب طفلها لا يجدي بعد أن انتقلت روحها إلى العدم إلا أنه يفعل ويقطع الأميال الشاسعة بالجثة الممزقة كي يؤدي هذا الفعل الطقوسي. وكذا أيضا تلوح عبقرية المؤلف حين يحكي لنا بخبث قصة والدة باراباس ولعنتها التي أطلقتها عليه بعد ولادته وكأنه يريد أن يدفعنا إلى أن نؤمن أن هذه اللعنة كانت سببا في شقائه. بهذه الطريقة يلمس المؤلف جوانب خفية للإيمان ويؤكد على ضرورته من أجل السعادة وسد فجوات الفهم.

يُحسب للرواية أيضا تصويرها الدين وهو في مرحلة التكوّن، حين نرى القديس بطرس -بعد صلب المسيح بيوم- وهو يستند حائرا متخبطا على الجدار، يحاول أن يفهم وأن يجيب أسئلة باراباس دون أن يملك إجابة واضحة. ونرى أيضا أتباع المسيح والحواريين وهم يتناقلون الشائعات ويناقشون أسئلة جديدة حول هوية المسيح وحقيقة صلبه وقيامته. الرواية تتطلب بعض المعرفة بالقصة المسيحية، إذ أن المؤلف لا يسمي الشخصيات الرئيسية التي نلقاها في محطات الرواية كبطرس ولعازر.

أن تتناول كل هذه الثيمات وتعالج بحصافة موضوعا ثقيلا مثل الإيمان والإلحاد في مئة وأربعين صفحة، تلك لعمري العبقرية ذاتها. يجدر بالذكر أنا "باراباس" هي واحدة من أربع روايات كتبها بار لاغركيفست في موضوع الإيمان. هذه الروايات على التوالي هي: باراباس Barabbas، الكاهنة the Sibyl، موت أهازيروس Death of Ahasuerus، وحاج في البحر Pilgrim at Sea.