الخميس، 21 يوليو، 2016

حلم السندباد لجيولا كرودي




حَلُم السندباد ذات مرة أنه غدا ملكا لإنجلترا القديمة أثناء ذروة مجدها: ملكا يافعا، يبلغ من العمر الثامنة عشر، أحذيته ناعمة مدببة، سترته حريرية قصيرة، شعره طويل متموج، عيناه لامعتان، ضحكاته لا تنقطع، أما قطع النقود الذهبية، فتتناثر بين أصابعه وهو يتحدثُ بصوته السعيد الرنّان. في هذا الحلم، لم يكن صغير السن فقط، وإنما خفيف قلب، سعيدا وعظيما، روحا جُبلت أثناء مطلع الشمس. كان رجال حاشيته يتسكعون فوق الشرفة المطلة على الساحة بأزيائهم المنتمية إلى حقبة هنري السابع، أما السيدات، فلقد كنّ يجررن أذيالهن الحريرية الطويلة، ويرفعن فساتينهنّ كي تبدو أحذيتهنّ العالية بشرائطها البيضاء. كانت الواحدة منهنّ عندما تمر إزاءه تومئ برأسها الصغير وشعرها المعقوص. لقد استمر يشاهد جواربهنّ البيضاء مدة طويلة حتى بعد أن انقطع حلم "الملك" واستيقظ وبدأ يحرك أعضاءه التعبة واحدا تلو آخر. طابور كامل من السيقان المغشاة بالجوارب البيضاء بقي معه. في ذاك الصباح، وبينما كان يتأمل قسمات وجهه الهامدةَ على المرآة، فكّر قليلا بذاك الشعور الذي انتابه حين كان ملكا يافعا في الليل. أخيرا، خطرت له هذه الخاطرة: بما أنه قام بتجريب كل ما يمكن تجربته في هذه الدنيا، لا بدّ أن منيته أصبحت قريبة.
   كان ذلك في بداية الخريف. لبس سندباد هندامه بعناية كما يجدر برجل تجاوز الثلاثمئة عاما أن يفعل. اختار ربطة عنق فاقعة اللون، وحذائين مصقولين بعناية. استلم الحلاق رأس السندباد تحت عضده على الطريقة الشرقية، ثم ضمّخ بالزيت المعطّر شعره الأشيب. وهكذا، وبعد أن أخذ كل الاستعدادات اللازمة، انطلق السندباد كي يعثر على المرأة التي لبست الجوارب البيضاء ذات مرةٍ وأومأت إليه برأسها حين التقيا قائلة: يا حبيبي ويا أميري! يومَها، كان السندباد يتكلف إيماءةً زاجرة، وكما أنه يقول: باللهِ عليك، كفي عن هذا الهراء! كان ذلك –بالطبع- في الأيام الخوالي، يوم كان من الشائع لكل امرأة تقطن في "بودا" و"كريستينا فاروس" -أو بالأحرى كل حارة وضاحية وزقاق في العاصمة– أن تقول له: يا حبيبي! حياته كانت سلسلة من "يا حبيبي" تضمرها له امرأتان أو ثلاث في نفس الوقت. كان لا يترك امرأةً في سلام حتى يوقعها في حبائله. لهذا السبب أنفق صاحبنا جُلَّ حياته منتظرا تحت الشرفات، متطلعا بولهٍ، أو بانكسار، أو بحزن، أو بسخط وتهديد. كانت لديه موهبة خاصة في مراقبة النساء، في أن يتبعهنّ خفيةً ويكتشف ما يخفينه من آمال وأسرار ورغبات. لقد أمضى أوقاتا طويلة واقفا مكانه، مصغيا لأزيز آلات الخياطة في منازل متواضعة وسط الضاحية، أو قافزا داخل عربة كي يلحق بأخرى مرت هادرةً أمامه وهي تحمل في جوفها امرأةً عطرية النَشْر تعتمر فوق رأسها قبعة عريضة،  أو متلصصا على نافذة ذات ستائرَ مخرّمة أضاءت لدخول الليل، أو مراقبا امرأة تجثو على ركبتيها في الكنيسة وهو يحاول أن يحزر ما الذي تصلي من أجله؟ كان ينفق من أجل ذلك ساعاتٍ طوالا إلى درجة أنه أحيانا بالكادِ يجدُ وقتاً يقطف فيه الثمرةَ التي يشتهيها. أحيانا، في غمرة انهماكه وتعبه، تجذبه مغامرة جديدة، يستثارُ لها دمُه وأحلامه وشهيته، فينسى أن يكمل مغامرته السابقة. وهكذا، في مسيرته البطولية، كان هناك ما يقارب الإحدى عشرة أو اثنتي عشرة امرأة، أُضطرت إلى أن تنتظره بلا جدوى، في موعد غرامي، أو عربة مغلقة، أو ممشى يخترق الغابة، أو محطة قطاراتٍ بعيدة، حيث يُفترض لقطارين أن يلتقيا، ولم يكن السندباد في القطار، أما المرأة، تلك الاستثنائية، فلقد كانت تقف متلهفة قرب النافذة، متطلعة خلف الستائر، مذعورة، ترطّب شفتيها اليابستين بلسانها. وتمر قطارات عديدة.. أحدها ذاك الذي يحمل المرأة ذات الجوارب البيضاء، تلك التي تخاطبه في رسائلها أو على الملأ بكلمة "يا حبيبي"، ولم يكن في ذاك أي شيء يخرج عن المألوف.
   تلك المرأة كانت أرملةً وتُعرفُ بـ"القردة" بين الذين أحبوها. كانت امرأةً جادة، صارمة، راسخةَ العقل، إذ أنّ النساء عادةً يغيرنَ ألقابهنّ بتغير معجبيهنّ. أما هي، فلقد بقيت "قردةً" حتى النهاية. كانت بالكادِ تضحك، ولم تغمز في حياتها قط، وعندما يغيظها السندباد، كانت تمسك بموسى الحلاقة وتهدده بقطع حنجرتها، متطلعةً نحوه بنظراتها الحادة اليائسة. لقد أحبت السندباد بعاطفةٍ عمياء مطلقة، وكما لو أنه قدرها. لم تستطع أن تتوقف عن حبه حتى بعد سنواتٍ من هجره إياها. كانت كما لو أنها صمّاء وعمياء إلى أن بلغت العاشرة وأصبحت تؤمن أن هذا الرجل هو من جعلها تفكر بطريقة تختلف عن باقي النساء. أخبرت السندباد ذات مرة في واحد من لقائتهما النادرة: سوف أحب أميري طالما حييت، سواءً رأيته أم لم أره. هزّ سندباد كتفيه باستهجان: لماذا يتوجب أن تحبي بهذه الحماقة؟ هناك أشياء أخرى في الحياة عدا الحب.
   رغم ذلك، عندما فاجأت بشائر الموت سندباد ذلك اليوم، عندما أراد أن يودّع أولئك النساء اللائي ما زال يكنّ في قلبه لهنّ احتراما، أول من قفز إلى عقله هي "قردة". النساء الأخريات: الشقراوات، والسوداوات، والصغيرات، والمجربات، والعبلاوات، والنحيلات، اللاتي زرعن عشقهنّ القاتلَ في سويداء قلبه، واللاتي جرى خلفهنّ إلى أن تقطعت أنفاسُه، حزينا، حائرا، ومستعدا أن يزهقَ حياته مئة مرة من أجلِهنّ – كل أولئك تمّ إهمالهنّ ذلك اليوم.  لم يزدريهنّ، لكن التفكير بهنّ لم يعد يثيرُ دمَه. ذكرى شفاهِهنّ التي ما زالت عالقةً على شفتيه، أياديهنّ، أقدامهنّ، عيونهنّ، أصواتهنّ التي دفعته –منذ مدة ليست بالطويلة– إلى أن يكررَ أنماط صباه في كهولته اللاحقة، لا لشيء إلا ليحظى بتقبيل تلك الشفاه والتشبثِ بتلك الأيادي تارة أخرى، أن يفتش الدنيا كلها، ويضعَ حولَ خصرها زُنّاراً إن لزم، سبعا وسبعين مرة أو يزيد، بحثا عن محظياته السابقات وأحضانهنّ الآنفة – كل ذلك تلاشى.
   تلاشى: ورغم ذلك انطلق القطار يحمله أربعاً وعشرين ساعةً، يوما إثرَ يوم، راجعا به إلى تلك الأزقة الجانبية القديمة، حيث رأى –ذات صباح ربيعي- امرأة شابةً خلف نافذتها، تتكئ بفستان نومها الأبيض على إطار الشرفة، شعرها هائج قليلا، عيناها ناعستان، خدّها ما زال أحمرَ من أثر المخدة، حينها انهمك السندباد معها في حديث وديّ، قبل أن ينسلَّ بتهورٍ إلى الداخل وينضمَّ إليها، تلك المرأة الغريبة في القرية المجهولة. كانت نهاية المغامرة سعيدة، وبعد عشرين عاما، في زيارته التالية إلى القرية، رأى شابا يافعا أسودَ الشعر وراء النافذةِ يتعلم دروسَه. فكّر السندباد: قد يكونُ النسخةَ الشابةَ مني!
   لكن الآن، في هذا اليوم الخريفي المبكر، كلهنّ تلاشين من عقله، ولم يبقَ إلا "قردة" الجادة الصارمة الراسخةَ العقل، تلك التي لم تبغِ منه أي شيء عدا أن تحبه بإخلاص، ومن بعيد.
عاشت "قردة" تلك الأزمن الخوالي في منزل منعزل على طرف "بودا" بقرب مركز التذاكر، حيث يمر الترام مسرعا وكأنه القطار السريع، مجلجلا، مدمدما، عبر الليل، بحيث يمكن لرجل مصاب بالأرق أن يشغل وقته منصتا إلى أزيزه.
   وضع عامل النظافة الخفين اللذين كان يرقعهما، لعق أصابعه بحرارة، تصفح دليل القاطنين، عثر على نظارته، ثم خَلُص إلى أن "قردة" لا بدّ أن تكون انتقلت إلى ضاحية أخرى.
   "كيف استطاعت تركَ شجرات السُمّاق وراءها؟" تساءل السندباد.
   "لا أدري." أجاب العامل وهو يغلق الدليل بعنف.
   هتفت شجرات السُمّاق حين تخللتها رياح الخريف: "رباه! إنه السيد سندباد!" فلقد مرت ليالٍ كانت تتنهد فيها لأجله.
   التقط عامل النظافة الخفين، رفع نظارته فوق جبهته، وهتف: "رباه! إنه السيد سندباد!" فلقد مرت ليالٍ كان يحضر فيها النبيذ والجعّة من الحانات لأجل السندباد، حين كانت "قردة" تعيش هنا.
   "ماذا حدث ؟" تساءل السندباد.
   "جرت الأمور على هذا النحو: أتتني ذات مرة وناولتني قطتها، أخبرتني أنها أصيبت بالملل منها. ثم أتبعتها بالجرار والحافظات، رمت بهنّ فوق أكوام القمامة. رمت أيضا قبعتها المخملية، لقد أصابتها بالملل! كانت مصابة بالملل من كل شيء هنا، وهكذا رحلت."
   ألصق العامل سعرا فوق الخفين بعد أن أصلحهما. شخشخ الخفان بين أصابعه: "لم أفتح الأبواب في هذه الساعة من الليل منذ توقف السيد سندباد عن زيارتنا."
    تهادى السندباد، منشغلا بأفكاره، مبتعدا عن المنزل ذي الطابق الواحد، حيث يتوسط بئرٌ ساحة الدار، محاطا بشجرات السُمّاق العطرة. أخذ يدفع بعصاه بعض الأغصان الخريفية المتساقطة.
   "لكن هل تغيرت قردة أيضا؟"
   وانطلق متتبعا آثار أقدام "قردة" وحذائها الأسود ذي الكعب الوطيء.
***
   "قردةُ" التي طوّف السندباد لأجلها "بودا" و"بيست" طولا وعرضا،  كانت تجلس تحت الشرفة بثوب نومها الوردي، وقد اتكأت على الحافة، واستغرقت في قراءة إحدى روايات "باول دي كوك"، تماما كما كانت تفعل قبل عشرين سنة. عندما وقعت عيناها على السندباد وهو يتسكع مبتعدا في آخر "جادة القطة"، صنعت من كفيها بوقا، ثم جأرت بأعلى صوتها من الدور الرابع وكما لو أنها صبي أجرة: "هنا، يا ولد!"
   تعرف السندباد مباشرة على صوت "قردة"، إذ أنه في كل هنغاريا لا يوجد غير امرأة واحدة لها صوت مثل هذا: نصفه بوق نفير، والنصف الآخر خشخيشة طفل. رفع السندباد رأسه، وتلبث ملياً إلى أن أعطته "قردة" إشارةً رشيقة تنبئ أن الوضع آمن. انطلق يصعد قفزا، ثلاث عتباتٍ في كل خطوة، إلى أن وصل الدور الرابع منهكا بالكادِ يلقط أنفاسه.
   كانت "قردة" تقف على مدخل الردهة، وفي فمها حاملة السيجار الفضية كما جرت عادتها. "يجدر بك أن ترفق على هذه الأعواد البالية." قالت مشيرةً إلى ساقيّ السندباد. "بحق الشيطان! ماذا كنت تصنع في جادة القطة؟"
   "أبحث عنكِ يا صاحبة النيافة!" أجاب السندباد، راميا نفسه فوق أحد كراسي الردهة.
   وكالعادة، لم تصدق "قردة" كلام السندباد. "أراهنُ أن إحدى ساقطاتك تعيش أسفل الجادة. أتعلم؟ سوف أكتشف الأمر، وعندها سوف أفجأها بوكزة بين ضلوعها. لا أحب أن أُخدعَ جهارا أمام عينيّ يا سندباد."
   رفع السندباد يده كما لو أنه يعطي قسماً. "أنتِ من أبحث عنه يا قردة. مرّ دهر طويل مذ رأيتكِ آخر مرة. حلمت بكِ ليلة أمس، أو قبل أمس، ومنذ ذاك وأنا أبحث عنكِ. لم تنسيني، أليس كذلك؟"
   أخرجت "قردة" السيجار من فمها، وأجابت بصوت لا يخلو من حزن: "لا يا عزيزي، ليس من عادتي أن أنسى الناس بسرعة، رغم مرور ثلاث سنوات كاملة منذ رأيتك آخر مرة، وها أنا الآن أقرأ باول دي كوك، ذنوبي الوحيدة هي تلك التي ارتكبتها في عالم الخيال والكتب. لكن تعال، دعني أتأمل وجهك."
   انصاع السندباد لقردة وهي تقوده من الردهة المظلمة إلى الغرفة المطلة على الشارع. هناك تكدّس الأثاث القديم، وانتصب بورتريه والدها العتيق على الحائط، والذي تحول منذ زمن سحيق إلى صورة تراقب كل ما يجري تحتها. هناك أيضا بورتريه الطفلة الميتة التي كانت قردة -لفترة ما- عمّةً لها، وتحت البورتريه درج زجاجي يحوي صورا مبروزة لنفس الطفلة الفقيدة، وبقرب النافذة الكاناري العجوز الصامت، وعلى الأريكة، كان وشاحها المطرز ملقى بفوضوية، تماما كما شاهده السندباد في عنوانها السابق. رفعت المرأة ذقن السندباد لينتشر نور الشرفة فوق وجهه، شرعت تتفحص وجهه وعينيه بدقة، بينما انخرطت يداها تمسدان خصلات شعره.
   قالت بعد فترة صمت: "أتعلم يا سندباد؛ أحيانا أحبك بشدّة فلا أشعر أني عشيقتك –ذلك الشيء المنبوذ، المهمل، المنسي- وإنما أمك! أعرفك جيدا يا سندباد، وكما لو أني حبلتُ بك ووضعتك."
   جلس السندباد على الأريكة وأخذ ينتظر، بينما أغلقت "قردة" كتابها ووضعته جانبا فوق الدرج.
   "أنت من اشتريت لي روايات باول دي كوك، أتذكر؟ طلبتَ مني أن أقرأها وحيدة في البيت. لم أقرأ سواها منذ ذلك اليوم."
   بدأ السندباد يدندن لحنا قديما وهو يراقبها: لم تتغير طوال عشر سنوات. لقد كانت امرأة قوية، تنضحُ صحةً، شقراء، داكنة، بين الثلاثين والأربعين من العمر، من النوع الذي يخلد إلى النوم مبكرا، ويصحو مبكرا، ولم يحدث أن وضعت أي مساحيق فوق وجهها منذ زمن طويل. تحب انتعال الشبشب، وإعداد الوجبات الشهية. صحيح، في مراهقتها، كانت تحب ركوب العربات وصحبة الرجال الذين يطرونها أثناء الطريق، واحتساء الشامبانيا، والإصغاء إلى فرق الغجر الغنائية، ورفع تنورتها الحريرية وهي ترقص على نغماتهم. لكن الملل أصابها بعد مدة، إذ أنه –وكما قالت- هناك كثير من النساء الطائشات، الشريرات، الملعونات، اللاتي صارت مدينة "بيست" تغصُّ بنهنّ، صارت تشعر بالخجل من أن يراها أحد مع هكذا صحبة. انتعال الشباشب أفضل بكثير.
   "اعتقدتُ أنكِ لن تتركي شجرات السمّاق في بيت بودا!" همس السندباد برقة. "لا أفهم لماذا رجعتي إلى جادة القطة؟ ألم تفارقيها بقرفٍ في شبابكِ كي تستقري في بودا الهادئة؟ على ما أعرف، ما زالت المنطقة مرتعا للراقصات والمغنين وعارضات الكاباريهات، يأمونها من كل صوب كي يؤدوا عروضهم. قردة! أنتِ لم ترجعي إلى مهنتك القديمة، أليس كذلك؟"
   "لا يا عزيزي" أجابت بوقار. "لديّ فساتيني الجميلة، وقبعاتي الغالية، لكني لا أرتديها إلا حين نخرج سوياً. عشر سنواتٍ وأنتَ تعِدُ بأخذي إلى السيرك، وها أنا أنتظر منذ عشر سنوات، كي أذهب إلى السيرك، رغم أني لم أبلغ من الفقر درجةً تضطرني إلى بيع أفخر فساتيني وأجمل قبعاتي..."
   كان السندباد يعلم من تجاربَ سابقة أين ستقودهما هذه الأحاديث، ولذا قاطعها سريعا: "قردة! كفى اتهامات! زرتي السيرك ما فيه الكفاية أثناء شبابكِ. السيرك يشبه كثيرا قاعة الموسيقى: المهرجون، والنساء الصاخبات، أليس كذلك؟"
   "لكن الخيول..."
   "خيول! خيول! رأيتُ من الخيول ما يكفيني حياةً كاملة. أعجز أن أفهم كيف لامرأةٍ رزينة، ومتقاعدة، ومحترمة، مثلكِ، أن تقضي سحابةَ نهارها وكاملِ ليلها تفكر بالسيرك!"
   اعترضت قردة بصوت جاد: "لكن يا سندباد! مضت عشر سنوات منذ وعدتَ بأخذي إلى السيرك. كان ظهرك يؤلمك، ولم يكن بإمكانك النوم إلا إذا قمت بتهميزه. قلتَ أنك ستأخذني إلى السيرك لو تحسّن ظهرك، لكنك لم تفعل. لا أذهب بمفردي إلى أي مكان هذه الأيام يا سندباد. لم يعد هناك أحد. فقط أنت يا سندباد."
   انحنى السندباد إلى الأمام وأخذ يداعب يد قردة.
   "لقد لهونا بما يكفي، وشربنا الحياة إلى الثمالة يا قردة. أنتِ نفسكِ، ذات مرة، رقصتي في صفوف الجوقة... دعيني أقترح شيئا آخر: عندما يأتي الربيع، سوف نختار ظهيرةً مشمسةً رائعة، سنحزم أغراضنا، وسنمضي في نزهة بين تلال بودا. نركب عربة تجرها الجياد فوق الدانوب، وسيصوّت الجسر بوقع حوافرها. سيطلق الحوذي النفير، وسيجلس قبالتنا زوجان من الأرياف، يسألان كل برهة: هل وصلنا حمامات قيصر أم ليس بعدُ؟ سوف تخبُّ الخيول قُدما، وستتدحرج العربة على طول السكة. سيكون هناك أطفال يركلون الكرة في ساحة سنّا، ورجل يعزف الأكورديون في أحد هذه النُزل الجصية المزينة بالتعريشات، لكن لن نترجل هناك، لا، وإنما سنواصل التقدم، وسيغمز الحوذي بوقه ثانية، وسيسأل الزوجان الريفيان مرة أخرى إن كنا وصلنا حمامات القيصر. ستزكم أنوفنَا رائحةُ تلال بودا، وسنجلس جنبا إلى جنب وكما لو أننا زوجين سعيدين؛ أنا موظف حكومي متقاعد، وأنتِ زوجتي ذات العشرين ربيعا، وسيكون لدينا مقدار محترم من المال في المصرف الصربي في بودا، وسنكون قد وضعنا عيوننا منذ مدة على منزل في سانت لورنتز، مكانٍ بحديقة صغيرة حيث تربين بطكِ ودجاجك..."
   "أيها الوغد!" هتفت قردة بصوت يتنازعه الضحك والبكاء، وطوّقت عنق السندباد بسعادة.
   "أليس ذلك أفضل بكثير من الذهاب إلى السيرك؟" سأل السندباد بصوت راضٍ.
   "أفضل مئة مرة!" أجابت قردة، وأضاءت عيناها ببريقٍ وكما لو أنهما عيني طفل أثناء الكريسماس. "فلتكن رحلةً إلى التلال، وقتَ الربيع، وسنستلقي فوق العُشب."
   "لتكن يا قردة. والآن أخبريني؛ ماذا فعلتي منذ رأيتكِ آخر مرة؟"
   هزّت كتفيها. "لا شيء، هذا ديدني هذه الأيام... هل تذكر أخي الأسمر الذي كان ينشد الأغاني الراقصة في قاعة الموسيقى ويعمل في السكك الحديدية؟ هل تذكره؟ المسكين، لقد ورّط نفسه في مشكلة ورحل إلى أميركا. لم يعلم أحد، لأني دفعت ضمانته وأخرجته من السجن. كلفني كلَ ما أملك."
   "والودائع أيضا؟"
   "لقد أبقيتها في الخزانة ولم استخدمها بعد."
   "ومجوهراتك؟"
   "بحق الله! منذ متى أهتم بالمجوهرات؟ هذا كله في عداد الماضي حين كنتُ بلهاء."
   هزّ السندباد رأسه واستغرق بالتفكير. هتف متذمرا: "هل كان لزاما أن يغني أخوك طوال الوقت؟"
   "لا يهم الآن. عدتُ إلى جادة القطة، إلى المنزل الذي كنتُ أملكُ -ذات يومٍ- طابقه الأولَ بكامله، حيث كان الحوذي ميتروفيتش يتسكع طوال اليوم منتظرا خروجي. واللوردات، والإيرلات، كانوا يأتون من كل مكان كي يخرجوا معي، كنت صبيةً آنذاك. عدتُ لأني لا زلت أحتفط بمعارفَ هنا. راقصات النوادي يعرّجن بي كي يُصبن نصيبهنّ من الغداء. جمعت دخلا متواضعا من ذلك. والآن، لو صادف ظهور أحد هؤلاء اللوردات، سوف ألقي به أسفل السلالم."
   نفخ السندباد دخانه بهدوء وتمتم: "نعم، لطالما أحببتي الطبخ."
                                                ***
كيف تمضي القصة؟
    تناول السندباد –ذات مرة- غداءه عند قردة. كان هناك ستة أشخاص متحلقين حول المائدة، ولم يكن بينهم رجل آخرُ غير السندباد- عدا الكهل الذي يعتمر قلنسوة ضيقة، وربطة عنق أنيقة، ويراقب من على الجدار، دون أن يفتح فمه طوال تلك السنين، فلقد كان سجينَ إطاره الذهبي.
   تحلّقت النسوة حول المائدة، كلهنّ كنّا يقطنّ في منزل جادة القطة، جلسن بأروابهنّ المنزلية الطويلة، بعد أن أسدلنها فوق ملابسهنّ الداخلية، فلم يكن من عادتهنّ أن يتزينَّ قبل المساء، قبل أن يُدَقَّ الطبلُ الكبير، وتعلنَ الفرقة بداية الفقرة التالية. انهمرت شعورهنّ -التي سوف تُصفف بعد قليل بواسطة أمهر الكوافيرات- كالشلال فوق جباهِهنّ وعيونِهنّ، بعد أن رُجِّلت بالمشط كيفما اتفق. في بداية الأمر، انهمكن يرمقن السندباد بشيء من الفضول، بل إنّ إحداهنّ أخرجت ساقها المصقولة الرشيقة من طيات روب النوم، لكن حين تبينَّ لهنّ أن السندباد ليس متاحاً (كان ذلك أمام حساء الدجاج والخضار، تماما كما كان يشتهيه السندباد) وأنه يتناول حساءه تحت عين قردة الغيورة، حينها تركنه وشأنه، وأكملن باقي العشاء دون الاستعانة بأدوات المائدة. خمس فنانات، ضمن خصوصية الجدران الأربعة، انهمكن يمصصن شفاههنّ، ويلعقن أصابعهنّ، ويستمتعن بتناول الطعام، وكما لو أن السكاكين والأشواك –شأنها شأن المسكَرة والمشدّات- لم يكن لها غرض سوى تذكيرهنّ بحياتهنّ الحزينة، ومهنتهنّ البهيجة الكئيبة. إنها الظهيرة الآن، والمساء يقبع بعيدا في المستقبل، ولذا استغرقن بالأكل بمتعة عظيمة. إحداهنّ كانت فتاة ناعمة القسمات، حمراء الشعر، بدأت  تنشد أغنية قروية سمعتها في الأيام الخوالي، حين كانت في القرية. كانت الأغنية تدور على لسان أحد المجندين: "لو أن أمي استطاعت رؤيتي في المدينة..." أصغت النسوة بانتباه إلى أدائها العاطفي، وترقرق الدمع في عيني إحداهنّ، من يدري ماذا كان يجول في خاطرهنّ؟
   إحداهنّ أبت أن تترك السندباد وشأنه. كانت فتاةً لعوبا، دقيقة العظام، ابتسامتها غريبة، طفقت تمسدُّ بقدمها الصغيرة ساق السندباد تحت الطاولة، وهمست في أذنه حين واتتها الفرصة: "تعال إلى قاعة الموسيقى هذه الليلة."
   رصدت قردة مباشرة ما قامت به، وهسّت نحوها بصوت أقرب إلى الفحيح: "أيتها الأفعى! حذارِ من سمي!"
   هربت الفتاة، وتبعنها الأخريات، بعد أن لبثن برهة، لعبن فيها بفتات الخبز، وجعلن منه كورا صغيرة، بأناملهنّ الناعمة، ثم تفرقنّ في أركان المنزل، متثائبات، ناعسات العيون، أيديهنّ في جيوبهنّ، ليخرجن حين يهبط المساء ويُقرع الطبلُ في الفرقة، بقبعاتٍ ريشية عظيمة، وفساتين باهضة الثمن، مرصعةٍ بالجواهر. حينها، لا أكل بالأصابع، ولا غناء من الأعماق، فلقد بدأ وقت الفرقة وابتلعهنّ، فقط في وجبات غداء قردة يمكن لهنّ أن يسترخين دون تصنعٍ أو كَلَفة.
     "يبدو أن هؤلاء البغايا لا يزلن يأسرن قلبك!" شنّت قردة هجومها بمجرد أن خلت لها الغرفة. "كان الغداء اختبارا لك. استبدّ بي الفضول: هل ستحافظ على رباطة جأشك إذا وجدت نفسك في صحبة أربع أو خمس من النساء، إذ أنّ هذا ما يجدر بك الآن، أيها الكهل الخليع! كدتَ تقفزُ من الفرح عندما بدأت الخبيثة تمسدُّ ساقك. حسنا يا عزيزي، تعلم أين قلتُ لها أن تذهب. كما قلتُ لك، هذا الغداء مجرد اختبار. أنا امرأة مسكينة، لن تتغيرَ أبدا."
   هزّ السندباد كتفيه وزمجر: "لا أفهم نيافتكِ! تحضرين الراقصات، ثم تتذمرين حين أكون مهذبا معهنّ."
   احمرّ وجه قردة غيظاً: "يجب أن تكون وقحا مع هكذا نسوة! رباه! لو عرف الرجالُ النساءَ كما أعرفهنّ لتوقف كل هذا الهراء عن الحب. افهم يا عمري: المرأة خراب العالم، وبالأخص الصغيرات، إنهنّ الأسوأ. لن أثقّ بواحدة منهنّ، حتى المسنات. عقل المرأة مصنوع للتدمير، إنها تنسج حبال الحب خصيصا كي تدمّر الرجال. إنها تتاجر بالشرف والمجوهرات. هل تريد روح العصر؟ فكر بعجوز رثة الهندام! لا يا عزيزي، أنا لن أستحمل أي رجل في شقتي. يجب على النساء أن يكنّ محافظات هنا. آه، لقد عرضن عليّ مبالغ طائلة كي أسمح لهنّ باستضافة الرجال، لكن لم أعد أحفل بالمال. أنا لا أطالب بالكثير: الشرف، والنظام، والتأدب. الشرف! ها هنا شيء ذو قيمة في هذه الحياة. أتعلم؟ لهذا السبب بالذات تقصدني الراقصات. ليس لأنه من السهل استئجار غرفة هنا. ليس كل أحد يستطعم مذاق أكلي. وإنما لأن المستأجرين السابقين لديّ يتحدثون بإطراء عني. هنا، يبرأ المريض، ويسمن الهزيل، ولا أسمح لهم بتبديد أموالهم. يأتون إليّ بالأسمال والخزي، ويرحلون أيسر حالا وأحسن ثيابا. ذلك لأني أمينة، لا أتاجر بالمجوهرات والشرف."
   استمع السندباد وهو يومئ برأسه بين الفينة والفينة إلى قردة. نعم، هو أيضا يحترم سلوكها، وتعجبه طريقتها، لم يتأخر عن إخبارها بذلك.
   تقبلت قردة الثناء، لكن فورة الغضب لمّا تزل تتلظى في خديها. ألقت ببعض الحبوب نحو الكناري العجوز الصامت، ثم سوّت تجاعيد فستانها، وجلست مقابل السندباد. "فيما مضى، عندما ساعفني الحض بالتعرف عليك، كنتُ حريصة ألا أكدّرك. لكن اليوم، وبما أننا نناقش الموضوع، أستطيع أن أخبرك مباشرة بأني أعرف كل امرأة وقعتَ في غرامها هذه السنوات العشر الأخيرة."
   "أنتِ من هويتُ دائما وأبداً." أجاب السندباد.
   "ما أعرفه عنك يجعلني أجزم أنك تفكر الآن في واحدة أخرى هذه اللحظة. لأني أعرفك يا سندباد، وكما لو أني حبلتُ بك ووضعتك. أعرف متى تحبني ومتى تعزفُ عني. لم يتغير حبي نقطةً واحدة. أمر غريب –أعلم ذلك- بالكاد أفهم نفسي. وقعت في حبك قبل عشر سنوات، وعلمت مباشرة أني سأحبك إلى آخر أيام حياتي. حتى بعد أن تموتَ يا سندباد، لن أستطيع أن أنساك. بما أنّ حظي السيء أوقعني في غرامك، وأحيانا لا أراك لسنوات، كان لزاما أن أعرف ماذا تفعل. لهذا كنت أتعقب كل خطوة لك، أسأل عن شؤونك كلها، وأحقق في كل واحدة من صبواتك. لم ترني قطّ، لكنك لم تعزب عن نظري مرة واحدة. حتى عندما تنام، كنتُ أطالعُ وجهك النائم كي أعرف أحلامك. أردت أن أفهمك لأني كنت أعلم أنني لن أستطيع العيش دونك."
   "وصل بك الأمر أن تقومي برشوة خدمي؟" سأل السندباد بحدة.
   "لا يعنيك كيف وقعت على مغامراتك الغرامية. هيا انصت، سوف ترى كيف أعلم كل شيء."
   تقدمت نحو الخزانة وتناولت دفترا نحيلا يشبه كتاب أدعية. "هنا أكتب الأشياء التي لا أريد أن أنساها. ها نحن ذا: الثاني والعشرون من حزيران، زوجة المحامي ك. تعيش منفصلة عن زوجها وتنتظر على الجسر المعلق. الساعة الخامسة مساءً. يصل سندباد في عربة مغلقة، رقم ثلاثة وسبعون، تعتلي المرأة العربة. تمضي ساعتان وهما يتجولان جيئة وذهابا وراء الستائر على طول شارع هيداكوتي. تتكرر الرحلة أسبوعيا من حزيران إلى تشرين الأول. أثناء هذه المدة، تترك زوجة المحامي ك. زوجها عصر كل أربعاء، وتتسكع متأبطةً ذراع ضابط أشقر في معقل صيادي الأسماك. مرتان في الأسبوع تقضي النهار في صالون المحظية الشهيرة مدام س. حيث يتردد رجال بارزون."
   قفز السندباد على قدميه: "محض افتراء! كانت امرأة محترمة."
   هزت قردة يدها وكما لو أنها تنفض ذبابة. "ليس من عادتي الكذب يا عزيزي. أعلمُ ما أعلم. كنتَ غارقا حتى أخمص قدميك في حب تلك المرأة. صحيح، لقد شعرتُ بالأسى تجاهك، لكني لم أرد لوهمك أن ينقشع عن صدمة. سمحت للوقت أن يعمل عمله، وسبحان الله، ها أنت ذا بجانبي وكما لو أنك تحبني مرة أخرى. دعنا ننتقل إلى صفحة أخرى. التاسع عشر من أيار. فلورا، سكرتيرة في إحدى الشركات، كائن مدور صغير، شعر بنيّ، حَوَل خفيف. يرافقها السندباد كل ليلة إلى البيت، أسابيع وشهورا بلا نهاية، إلى أن يتمكن من إغوائها، ثم يهجرها مباشرة. استغرق الإغواء كل ذلك الوقت لأن فلورا غارقة في غرام أحد ممثلي الشركة، سوف يتقدم لخطبتها لاحقا..."
   "يا لكِ من شيطان يا قردة! لطالما اعتبرت تلك المرأة حلما جميلا وحزينا، من النوع الذي تستيقظ منه لتجد وسادتك طافحة بالدموع."
   أكملت قردة بنبرة جافة حازمة: "تم استبدال ممثل الشركة بآخر، وهذا هو ملخص حياة السيدة فلورا."
                                                ***
   أفاق السندباد ذات ليلة بألم حاد في قلبه. كانت السنة في أواخر الخريف وأوائل الشتاء، والثلج يسّاقط بهدوء في الخارج. استمرت صور الحلم تتدفق أمامه، وكلها كانت من حلمه المعتاد تلك الفترة: مئات الوجوه النسائية، قبعات، ودون قبعات، أصباغ، ودون أصباغ، عيون سيدات، وعيون آنسات، وكلها مصوّبة إليه وكما لو أنه الرجل الوحيد على الأرض. أكتاف عارية، وسيقان مغلفة بالجوارب، وأحذية بكعوب عالية، وبعد ذلك صف طويل من النساء بقمصان النوم، نساء يعرفهنّ السندباد، ونساء يتمنى لو أنه عرفهنّ، أذرع عبلاوات، وأخرى رشيقة، كلها تلتف حول عنقه. جيل من النساء يرتعشن تحت الأغطية، ويتكلفنَ شقلباتٍ في مراعي قلبه...
   أفاق فإذا بموكب نساء الحلم يتلاشى مع نور فانوس خافت، وإذا بربة منزل تحمل الفانوس، وتقطع طريقها عبر الساحة المغطاة بالثلج، والليلة الشتوية. بقي وهج الفانوس منعكسا لبعض الوقت فوق الحائط، أو على كومة القش، بينما تمايل خيال امرأة سوداء الشعر فوق تموجات الظلام، وبعد ذلك اختفت أخيرا، تلك المرأة الأخيرة، بعينيها الصبوحتين، وقبعتها الريشية، اختفت في الفضاء البعيد، تاركة السندباد وحده مع وجع القلب. بعد ذلك بقليل، أيقن السندباد أنه سيموت قريبا، ربما في غضون الساعة القادمة.
   لبس ثيابه سريعا، وجلس فوق التكية العثمانية. كان خائفا في البداية، فلطالما آمن أنّ بإمكانه تأجيل الموضوع، رغم أن صحته آخذة بالتدهور مؤخرا، وصوته بدا أجشَ وغريبا، كما لو أنه صوت صديق من الطفولة يصل من الغرفة المجاورة. قد يكون الفتى بينيو! فكلما انهمك في إحدى هذه المحادثات المفككة مع نفسه، إذا به يسمع صوت الفتى بينيو يتحدث من الغرفة المجاورة.
   "سأموت قريباً،" أخبر السندباد نفسه، بصوت تكسّر على هيئة نبرات منفصلة. "نعم، نعم، أستطيع أن أسمع صوت بينيو الصغير في الغرفة المجاورة."
   بالطبع، لم يتحدث السندباد بصوت عالٍ إلا في لحظات خوفه الأولى، فقد كان وحيدا في الغرفة الخالية، لكنه سرعان ما استرد جأشه، واستطاع أن يحرّك أجفان عينه المشلولة مرة ثانية، حتى الألم بدأ يرخي قبضته على قلبه.
   وقف على قدميه، وانتقل إلى البلكونة، حيث غطى الثلج أحواض الزهور المتبقية من الصيف. كان الوقت فجرا، والمدينة نائمة، وندف الثلج تتساقط ذات اليمين والشمال حول رأسه. حدّق في الظلمة الهادئة بعض الوقت، دون أن يفكر- وفجأة، رأى نفسه طفلا ينتعل خُفاً دافئا، ويتدثر بمعطف فرو صغير، ويشق طريقا له بجانب الكنيسة القديمة، فوق أعشابٍ يتخللها بياض الثلج. كانت هناك غربان تستقر فوق صليب البُرج، واقتربت امرأة محمرّة الخدين بهيجة الهندام، تحمل دلو ماءٍ من البئر المتجمدة القريبة. ترامت البلدة الحُلمية من حوله في كل اتجاه، بينما طفق هو ينهجُ فوق الدرب المجلل بالثلوج والعُشب.. وبعد أن اجتاز الكنيسة لاحظ شيئا آخر: كانت هناك امرأة تقف خلف شرفة وستارة بيضاء، وتسلّط فوقه عينيها الضخمتين، امرأة عبلة، ناضجة، أنفها معقوف، تعلو شفتيها ابتسامة شوهاء حسيّة، ابتسامة يمكن أن يكون رآها قبل ذلك، في مكان آخر، لو للحظة، في زمانٍ جدُّ بعيد... ثم اختفت الصورة، فإذا هو يقف ببساطة في البلكونة، تارةً أخرى، وأمامه تعصفُ أكوام الثلج.
   وحين تقهقر إلى الغرفة، كانت المرأة الناضجة ذات الأنف المعقوف لا تزال تشغل باله، امرأة طفولته، تلك التي رآها منذ مدة بعيدة وكاد أن ينساها. ها هو يراها مرة أخرى، ويحسُّ ذراعيها العبلاوين، وكتفيها المتورمين، وظهرها الأسمر الموشّى بعكن الشحم، كانت هناك شامةٌ أيضا، في مكان ما... لأصابعها أظافرُ لامعة دقيقة، وتلك الأظافر البيضاء تتلمسُ جسد السندباد بطريقة أنثوية آسرة. أحسّ بالأظافر الأنثوية الباهرة أولاً فوق قدميه، ثم على جبينه، ثمّ فوق صدره. وافترّت الشفاه الممتلئة عن تلك الابتسامة الشوهاء، سمع صوتاً؛ نصفه تنهد، ونصفه فحيح، فوق رأسه، وكما لو أنّ طيرا انبعث يضرب بجناحيه عبر الغرفة.
   وأحسّ السندباد تارةً أخرى بالحبال تُشدّ حول قلبه، وعقد العزم على الإعداد لموته القادم. حبّر بضعة سطور إلى "قردة" تصف وضعه الراهن: سأرحل في الصباح! استلم خادم النُزل رسالته وانحدر متسكعا فوق السلالم، صفيرُه يعلو ويهبط بسعادة، مترقبا أجرا جزلا. لا بدّ أنها مهمة غرامية أخرى يكلّفه إياها النزيل رقم خمسة، تماما كما في الماضي، عندما كان يحضر المؤن الليلية من الشامبانيا والشاي والسجائر وأشياء الصيدلية، وكان هناك دائما فيضٌ من الفضة والنُضار ينسلُّ إلى جيبه.
   وبينما انطلق خادم النُزل لإنفاذ مهمته، استلقى السندباد فوق سجادةٍ رثّة، شعر أن ذلك ما يريدُ أن يفعلَه. بسط ذراعيه، وشرعَ ينظر بجمودٍ ويأس إلى المصباح فوقه. طالما استطاع رؤية الفانوسين الكرويين سيكون بخير. وهكذا، انهمك يحدّق في الكرتين الزجاجيتين اللتين كانتا –فيما مضى- تجهران البصرَ بضوئهما اللامع وهو ينسكبُ فوق أكتاف طوابيرَ من النساء.
   استمدّ حتى تلك اللحظة قدرا كبيرا من الطمأنينة من تحديقه في الضوء، لكن الآن، أصدرت إحدى الكرتين الزجاجيتين زفيرا مفاجئا، سرعان ما أتبعته الكرة الأخرى بزفرة مشابهة، بدا وكما لو أنّ مريضاً زَمِنا يتقلب في فراشه... في مكانٍ ما، في زمانٍ ما، في الماضي، كان والده يستلقي على السرير، والده الجميل الكئيب. كانت ليلة رأس السنة، والسندباد الفتى يمسك بكفيه.
   "سوف تدرك رأس السنة يا والدي. رأس السنة سوف يأتي بالفأل الطيب."
   فتح المحتضر عينيه اليائستين الحزينتين: "أتظن ذلك؟" سأل ثم أشاح بوجهه.
   تمنى السندباد فجأةً لوالده موتاً سريعا، كي لا يتعذبَ أكثر. سوف تنقطع الآهات وصرخات الألم...
   "وعزبتي يا دكتور! لو أستطيع فقط أن أعيش أسبوعا آخر..."
   نعم، كانت هذه كلماته. مات مبكراً. والآن، بدا وكما لو أنّ السندباد يسمع إحدى الكرتين الزجاجيتين تعيد هذه الكلمات للكرة الأخرى.
   جسدُ امرأة آخر، أو بالأحرى جزء من جسدها، هوّم أمامه: عبلاً، أبيضَ، كرةَ مرمر. استطاع أن يرى الظل الأسود الزرقاوي يجلل الكرة المرمرية، كان واعياً حتى النهاية بنَشرٍ من العطور اللذيذة الُمتَذكرة، تهبُّ فوق رأسه.
   سرعان ما وصلت "قردة" إلى الشقة، وأغلقت بكل حنان عيني السندباد.
                                                ***
تحوّل السندباد إلى برعم دبقي. برعم من الدبق، ضمن زنّار زهور، تضعه راهبة عجوز حول خصرها. في البداية، كان الأمر مملاً، ندم لأنه لم يختر وظيفة أخرى عندما واتته الفرصة في مصلحة اختيار المهام المناطة بالمرء بعد موته. عاين المهام المتاحة واستقرّ على ثلاثٍ وجد نفسه فيها، يستطيع أن يقضي أيامه وهو يؤديها في صمت ودَعة. الأولى: جندي لعبة، لعبة ضائعة منسية في إحدى العليّات المظلمة. ماذا يريد المرء أكثر لحياة التقاعد؟ كاد السندباد أن يوقِّع عقده، لولا أن ظهر في المصلحة صائغٌ أشهبُ اللحية، حزين التعابير، يملأ صدغه ثقب فاغر الفوهة، حيث دخلت الرصاصة. لقد قتل نفسه من أجل امرأة، وترك لها سائر بضاعة دكانه. رقّ السندباد لهذا الرجل الحزين الهيئة، فكر بكل الرجال الذين تم خداعهم ونشلهم ومن ثمّ لفظهم من قبل النساء، رجال كانت النساء يتطلعن فيهم متسائلات: متى سيضعون رصاصة في أصداغهم؟ وهكذا، تخلى عن فكرة الجندي اللعبة، ليهب الصائغ أولوية الخيار.
   بالنسبة إلى خياراته الأخرى، كان مغرىً بما فيه الكفاية كي يكون مشطَ زينة. لكن كيف يعلم المرء أين ينتهي به المطاف؟ قد تكون المرأة وسخة! فكّر السندباد: إنه لأمر لطيف أن تظلّ حيّاً! وهكذا استقرّ خياره في النهاية كي يصبح برعما دبقيا في زنّارٍ من الزهور. ليس هناك ثمّة أخطار، ومن الصعب أن تتورط في عراك أو ما شابه، كما أنه سيكون باستطاعته أن يجسَّ يدَ امرأة، البعض يستمتع طويلا بشيء مثل هذا بعد موته. لسوء الحظ، كانت الراهبة العجوز التي استقر ضمن ممتلكاتها -والتي تلبسه حول خصرِها- مسنّةً بعض الشيء بالنسبة إلى ذوقه. كانت تكبسُ عليه بين إصبعيها، بينما لسانها منهمك بترتيل ابتهالاتها، لكن لسوء الحظ، هذه أشياء غير ذات أهمية بالنسبة إليه. كانت مجموعةً من الابتهالات والصلوات المملة تنبعث نابضة عبر جسده: صلاة لتجنب عسر الهضم، وصلاة من أجل نوم عميق، وأخرى لادّراء غضبة كبيرة الراهبات، فقط مرةً واحدة، كانت هناك صلاة تشير بشكل مبهم إلى راهب يُدعى فرانسيس، تنبه السندباد من سباته، وأصاخ السمع. مستحيل! هل يُعقل؟ فكّر برعمُ الدبق. لكن لا، لسوء الحظ، لقد كان فرانسيس المقصود كهلا طاعناً، يكاد يكون قديسا، أصيب بنوبة برد أثناء أدائه قُداس منتصف الليل، كان يستلقي فوق فراش مرضه في بيت القساوسة. أصيب السندباد بالملل من طعام الفضيلة والتقوى هذا، وتفكّر بألمٍ كيف أنه لم يُخلق لحياةٍ أخلاقية عالية كهذه، ولو استمر الأمر هكذا، لن يصل أبدا إلى حالة التطهر من آثامه. بدأ يندم لأنه لم يختر أن يكون جنديا لعبةً، من يعلم أيّ مغامرة كانت تنتظره؟ وبنفس الحماس، تمنى لو أنه اختار أن يكون مشط زينةٍ في مفرق عاهرة. حالة الجلال هذه هي ما لا يستطيع أن يحتمله.
   وفي أحد الأيام، شرعت الراهبة وبرعم الدبق في رحلة. انطلقا مُجلجلين عبر بوابات الدير في عربةٍ مدبوغة الجلد تجرها جياد مطهمة. انتقلا من العربة إلى القطار، واستقلاّ –بالطبع- مقصورة النساء، حيث انهمكت الراهبة العجوز تتحدث مع سيدتين مُسنتين لا حديث لهما سوى كوارث سكك الحديد. لم يغدُ الحديث جديرا بالاهتمام إلا عندما ذكرت إحدى السيدتين أنها عزفت عن حياة الرهبنة لأنها لم تستطع العيش دون رجال... "رجلي العجوز جوهرة حقيقية" هكذا قالت، واحمرّت خجلا، لكن بشيء من الفخر. أطرقت الراهبة ببصرها، لكنها فيما بعد، سألت السيدة عن عمر زوجها، واستعلمت عن ملامحه، وعاداته، وخلاف ذلك. لم ينتبه السندباد إلا لتلك الإجابات التي تخصُّ عادات زوجها: إذا شرب كأسا أو اثنتين، قد يصل به الأمر أن يهرع إلى العليّة من أجلها ويحضر الملابس التي علقتها هناك كي تجف قبل أسبوع.
   وصل القطارُ المحطةَ قبل أن تشرعَ السيدة الأخرى بسرد بطولات زوجها الراحل. ترجّلن من  العربة، وفجأة، وعى السندباد أنه لم يعد ملتصقا بتنورة الراهبة التقيّة، والتي -لكونه برعمَ دبقٍ- أصبحت مهترئةً من الاحتكاك المتواصل به. ياله من حادثٍ مبارك ذاك الذي فصله عنها! انحشر السندباد بين قضبان الحديد: مرت عربات القطار فوقه، ألقى رجال الإطفاء الرماد عليه، سقطت قطعة قصدير بقربه، وفي جوفها ساق بطة تمّ نهشها بشكل جيد. حاولت هذه الجارة المؤذية أن تعقد صداقة معه، لكن السندباد تصنع النوم، إلى أن هبط الليل، ثم نجح في التسلل دون أن يلحظه أحد، تاركا قضبان الحديد خلفه، ومنجرفا عبر البلدة التي سرعان ما تعرّف عليها.
   ياللسماء! أليست هذه هي نفس البلدةَ التي زارها قبل موته؟ لماذا لم يلحظ النفق الذي اجتازوه مباشرة قبل المحطة؟ لقد كانت بلدةً جبلية صغيرة، مليئة بعمال المناجم السعداء ومستخرجي الذهب. يقضي السكان سحابة يومهم وهم ينقبّون في الأودية عن الذهب، بينما يُشرِع الأقزام نوافذهم للتهوية، فيظهر ذهبهم المكدّس. هنا العمدة، والكاهن، ومعلم المدرسة. لكن عندما يهبط الليل، تُضاء البلدة، ويحتفل الجميع مزجّين أوقاتا طيبة. لن نموتَ أبداً، يقولون لأنفسهم، هناك ذهب كافٍ في هذه الجبال. تبدأ الأغاني، والعزف على الآلات، ونقر الكؤوس، وتجلجل ضحكات النساء وكما لو أن أحدا يدغدغهنّ. كان للسندباد قريبةٌ هنا تزوجت من منقّبٍ للذهب.  القصة كالآتي: قريبته تُدعى باولا، طلب منقّبُ الذهب يدَها من والديها بعد أن زار "بيست". قبّلت باولا السندباد خلسة بعيدا عن الأنظار، وهمست في أذنه أنه يجب أن يزورها حين تكبر وتمَلُّ من زوجها، هذا إن كان لا يزال يراها جذّابةً. وهكذا تعرّف السندباد على بلدة التعدين هذه أول مرة: وبسطت زوجة منقّب الذهب جواهرها أمامه، وفروها الباهض، وعربتها، وجيادها الأربعة. أستميحكِ عذراً، همس السندباد، جئتُ مبكراً للغاية. تركها، ورسم بالطبشور صليبا فوق بوابتها كي يهتدي إليها مرة أخرى لو سلك الدرب ثانية. ولكنه مات أثناء ذلك... وتحول بُرعما دبقياً. ورغم ذلك، سرعان ما اهتدى إلى البوابة، وها هو الآن في غرفتها.
   جلست زوجة منقّب الذهب أمام المرآة، وأخذت ترجّل شعرَها. كان شعرها ذهبيا طويلاً، والمشطُ ينزلق برشاقةٍ وسط طيّات خُصله وكأنه زورق يسبح في الماء. وتحرك المشط، أعلى وأسفل، كان تلك اللحظة أكثر الأغراض المنزل سعادة وفخرا، كيف لا، وقد كان في حياته السابقة مجرد معلم رقص يقطنُ في إحدى ضواحي "بيست" الفقيرة. "كان بإمكاني أن أغدوَ مشطاً!" فكّر السندباد، ثمّ حاول أن لا يثير الانتباه إلى نفسه.
   توهّج المشطُ أكثر وأكثر، وامتلأ إشراقا وفخرا، رغم حسد الخزانة المجلوّة بالمرآة، والسرير المغطى بملاءات الحرير. كانت بطانة السرير من الحرير الذي لا تجد مثله إلا في غرف الملوك ومنقبيّ الذهب. اختلطت نوافج المسك سوياً وضمّخت مخدعها. تمدّد السندباد –بالقدر الذي يستطيع أن يتكلّفه برعم دبقي حين يهمُّ بالتمدد- وفكّر كم كان حماراً حين لم يهرب من صاحبته السابقة في وقت أبكر.
   خلعت المرأة -بعد أن فرغت من تمشيط شعرها-  كل ما عليها من ملابس. كانت وكما لو أنها حُلم الثلج. تجوّلت في مخدعها، أجرت يدها فوق تنورة الحرير الملقاة فوق ظهر الكرسيّ، تنهّدت، ثمّ اختفت خلف مُلاءات السرير. وبعد ذلك أطفأت النور.

 ترجمة : عدي الحربش
July 21 / 2016




الأربعاء، 16 يوليو، 2014

شجرة النبق



وقف إبراهيم أمام منزل خاله، نظر إلى شجرة النبق، وابتسم. عشرون سنة أو تزيد، كانت كفيلة بتغيير مظهر الحيّ بكامله، إلا أنها لم تمتد قيد أنملة إلى السدرة العتيقة والبيت الذي تجثم فوقه. تذكّر كيف كانا يقذفان شجرة النبق بنعليهما، وكيف كانا يقتسمان غلتهما حسب اللون: البني من نصيبه، والأخضر نصيب أحمد. كانا إذا أنهكمها اللعب يستلقيان على ظهريهما، وينظران إلى السماء والنجوم من خلال الفجوات العديدة التي تتخلل أغصان الشجرة، وعندها يسري خدر مريح في جسديهما، وكما لو أن المنزل بجدرانه الأربعة يسبح بهما عبر الفضاء، وأن هذا كله يعتمد على وجود شجرة النبق، وأنها لو قطعت سيسقطان فجأة في القرار السحيق.
   فتح أبو أحمد الباب، وقاده إلى الداخل. لاحظ إبراهيم ثمار النبق ملقاة على طول الفناء وقد انكمشت ويبست وذهب لونها. كان الهدوء يخيّم داخل المنزل، وهو شيء لم يكن يتناسب وحجم الفضيحة التي انفجرت قبل أسبوع، تلك الفضيحة التي بقيت موضوعا تلوكه الألسن في كل بيوتات العائلة. أحس إبراهيم بشيء من الضيق والخَرَق، ولولا مناشدة أمه إياه لما وافق أن يدخل بيت خاله -بعد كل هذه السنين- في مثل هذه الظروف. طرق الخال باب غرفة أحمد ليؤذنه بوجودهما، ثم أدار المفتاح في القفل، وسمح لإبراهيم بالدخول ومعه صينية الشاي. بعد ذلك، سمع إبراهيم المفتاح يدور مرة أخرى وراء ظهره، ليتركه وحيدا مع السجين، في غرفة مقفلة.
   حدث الأمر بهذا الشكل: قبل أسبوع، اكتشف الخال أن ابنه أحمد ينوي السفر إلى الشام للانضمام إلى المجاهدين في "الدولة الإسلامية في العراق والشام". هل كان ذلك بوشاية من صديق، أو بوقوع الخال على ما يشي بذلك في مراسلات وجوال ابنه؟ هذا أمر تباينت فيه القصص والآراء. حاول الخال أن يصرف ابنه عن عزمه دون فائدة، وعندما استيأس من ذلك، سحب أوراقه الثبوتية، وحبسه في غرفته، صارخا بأعلى صوته أنه لن يخرجه إلا بعد أن يقسم بأغلظ الأيمان أنه لن يعود إلى سابق غيه، بينما سقطت أم أحمد تبكي منهارة وراء الباب، ناشدة ابنها أن يمتثل لأمر والده، وأن يرحم ضعفها ويحنو عليها.
   مضى أسبوع كامل والطرفان ثابتان لا يتزحزحان عن موقفهما. عندها ناشد الخال أخته كي ترسل إبنها إبراهيم لعله يحدث بعض التغيير في موقف صديق طفولته. هتف إبراهيم محتجا: "ولكني لم أره منذ عشرين سنة! ماذا عساي أن أقول وهو رجل بالغ بيّت أمره وعقد عزمه، أنا لا أوافق حتى على حبسه بهذه الطريقة المذلة." لكن أمه أصرت عليه إلا أن يلبي رغبة أخيها المكلوم. حدثته كيف أنه القريب الوحيد الذي يُعد من أقران أحمد، وكيف أن الشباب يستمعون إلى بعضهم ويتأثرون أكثر بما يقولونه بينهم. ذكّرته كيف أن الخال يحترمه كل الاحترام، ويعوّل عليه أشدّ التعويل.
   وهكذا، وجد إبراهيم نفسه أمام صديقه القديم في هذا الموقف الغريب. ابتسم إبراهيم بخَرَق، وأنزل صينية الشاي كي يصافح أحمد. لشدّ ما تغير السنون الناس وتعبث بملامحهم! كان أحمد هزيلا، كما عهده دائما، لكن شعرات لحيته المتفرقة، وابتسامته الهادئة، أضفت إليه وقارا خجولا ذكره بالتصاوير الغربية التي تحاول أن تتخيل هيئة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.
   جلس إبراهيم بجانب ابن خاله على الأرض، ونظر حوله في جدران الغرفة البيضاء وما يعلوها من آيات وتسابيح، ولمّا لم يجد ما يكسر هذا الصمت الحرج، لجأ إلى ما يلجأ إليه الناس عادةً عندما يعوزهم الموضوع وتعزّ عليهم الفكرة:
   "الجو خانق في الخارج. حتى أثناء الليل."
   "أهو كذلك؟ كما ترى، لم أخرج منذ أسبوع من هذه الغرفة الباردة."
   "أعانك الله. لا بدّ أن الأمر صعب عليك."
   "هو كذلك. لكنه قد يكون أصعب عليك. لا أتمنى أن أكون في مثل موقفك."
   "لا بأس. لم أرك منذ مدة طويلة. بالتأكيد لم أكن أتمنى أن أجدد بك العهد في وضع سيء مثل هذا، لكن -على أية حال- ها أنا أراك ثانية، وهو شيء كنت أتمناه منذ مدة، لكنها الحياة والأشغال وما اعتدنا عليه من غلظة قلب وقطع رحم."
   "جزاك الله خيرا."
   "كيف تقضي وقتك هنا؟"
   "بالاستذكار والتذكر. سبحان الله، لا يصنع الله أمرا إلا وراءه حكمة. كنت أحتاج إلى خلوة مثل هذه أنظم فيها أفكاري وأراجع سابق عملي. ماذا عنك؟"
   "في خلوة مشابهة، لكنها لحسن الحظ ليست قسرية كخلوتك،" ابتسم إبراهيم بمرارة، وابتسم أحمد مثله، "أغلب وقتي أقضيه في قراءة الكتب وكتابة القصص."
   "أما زلت مهووسا بالكتب؟ أتذكر كيف كنت تأتي في طفولتك إلى دارنا والكتاب تحت ذراعك لا يبارحها. لم نرك يوما دون كتاب. هنيئا لك هذه العزلة. ماذا تكتب؟"
   "أقاصيص مختلفة، تستند معظمها على التاريخ. هل تعلم؟ كنت منهمكا مؤخرا في التفكير في قصة عن مفهوم الهجرة."
   "الهجرة؟"
   "أي نعم. ورغم أني فكرت في القصة طويلا إلا أني لم أكتب منها حرفا واحدا بعد. لا أدري كيف أبدؤها. ربما إذا حدثتك عنها بصوت عالٍ ساعدني ذلك على الإمساك بخيط قد يكون بداية لها. بداية القصص أصعب ما فيها. هل تريد أن أحكيها لك؟"
   "بالتأكيد."
   لم يدرِ إبراهيم لماذا اختار هذه القصة بالذات! أو –بالأحرى- لم يفكر بهذا الاختيار مسبقا ولم يمهّد له. هذا ما أخبر به نفسه بمجرد أن نطق كلمة "هجرة". كانت عشرات القصص والمشاريع تطنّ في عقله. لماذا هذه القصة بينهنّ؟ لكن الجواب أوضح من أن يخفى، بل إن في هذا النوع من التعامي والتضليل احتقار للنفس وللذكاء معا. الهجرة! أليس هذه هي التسمية التي يستخدمها الشباب لوصف سفرهم إلى الشام؟ ماذا سيقول خاله وماذا ستقول أمه إن هما سمعا ناصحهما الأمين يحكي قصة عن فضل الهجرة لرجل يفكر بها؟ لكن إبراهيم –حين كتبها- لم يفكر بالوضع الحالي ولا بالسياسة ولا بما يجري حوله. لقد قرأ عن حادثة الهجرة، وأثارت في عقله بعض الأفكار والصور، وكانت جميلة بما يكفي كي تملأ عقله وروحه. هذا كل شيء. القصة أجمل من أن يكون في حكايتها شيء يضرّ. كما أنه نطق اللفظة السحرية، وأثار انتباه أحمد، ولا يستطيع التراجع الآن.
   "هي ليست قصة أكثر منها أمثولة. أمثولة تستلهم قصة الهجرة النبوية وتعيد حكايتها من وجهة نظر العنكبوت والحمامتين."
   "ماذا تعني بأمثولة؟"
   "قصة تحكي عن شيء ما، وهي بحكايتها عن هذا الشيء تخبر عن كل شيء."
   "أها. لكنك تعلم أن قصة العنكبوت والحمامة موضوعة؟ اتفق علماء الحديث والتاريخ على ضعفها."
   "أهي كذلك؟ وماذا يعرف علماء الحديث والتاريخ؟ بالله عليك، لو جمعت أطفالا أمامك وقلت لهم: سوف أحكي لكم قصة الهجرة النبوية الشريفة. ما أول شيء سوف يقفز إلى مخيلتهم قبل أن تبدأ القصة؟ العنكبوت والحمامتين. أليس كذلك؟ لا أكتمك خبرا؛ لقد اكتملت القصة في عقلي بهذا الشكل، ثم قرأت الكتب والمراجع فاكتشفت ضعف رواية العنكبوت والحمامتين. آهٍ لو تعلم كم أسقط في يدي! لكني فكرت: ما الضير في ذلك؟ ما الضير إن كانت أمثولة العنكبوت والحمامتين –كما تصورتها- تقول في جوهرها أكثر مما يفهمه كل أساتذة الحديث والتاريخ مجتمعين عن مفهوم الهجرة؟"
   "منطقك غريب. لكن هاتِ القصة، أو الأمثولة كما تسميها."
   "الأمثولة، نعم. كما قلت سابقا، لا أدري كيف أبدؤها. أحيانا أفكر أن أبدأها بالحديث عن محطات الطريق، طريق الهجرة، أن أبدأها هكذا: الطرق إلى يثرب جدّ طويل؛ ثور فعسفان، قديد فالخراز، ثنية المرة فطريق العرج، ماء الغابر فبطن رئم. الطريق إلى يثرب جدّ طويل، لكنه لم يكن أطول من حديث الحمامة وهي تحاول إقناع صاحبتها العنكبوت ببناء النسج. هكذا أريد أن أبدأها، ولكني في كل مرة أبيت العزم، أراجع نفسي، وأرى كيف أن هذه البداية متكلفة ظاهرة الصنع، فأعرض عنها. أحيانا أفكر أن أبدأها بطريقة أسطورية، بطريقة تشبه قصص هانس كريستيان أندرسن السحرية. أن أقول مثلا: هناك ياقوتة حمراء تلمع على ضفاف أحد أنهار الجنة. وهناك ريح تلعب ممهلة، أمام الضفاف وبين الأشجار وفوق الياقوتة الحمراء. ثم أخلص إلى القصة لأشرح كيف أن هذه الياقوتة الحمراء هي العنكبوت. وكيف أن هذه الريح الممهلة هي الحمامة."
   "تكلفت شططا في قصتك. لا يجوز أن تخبر عن الجنة بما لم يرد عنها في القرآن أو الحديث."
   "صحيح، صحيح. ولهذا أعرضت عن هذا المطلع كما فعلت مع سابقه. المهم، أننا نبدأ بطريقة ما لنجد أنفسنا في ذاك الصباح، أمام غار ثور، حيث وقفت الحمامة أمام العنكبوت كي تقنعها ببناء النسج. كيف علمت الحمامة بقرب الهجرة؟ لا بدّ أن هاتفا سماويا أو روحا من الأرواح ألقت في روعها أن محمدا صلى الله عليه وسلم سوف يخرج مهاجرا إلى يثرب، وأن فتيان قومه وصناديدهم سوف يخرجون في إثره طالبين دمه، وأن عليها أن تصنع عشها وتبيض فيه، وأن على العنكبوت أن تبني نسجها كي تضلل الطالبين عن بغيتهم. لكن العنكبوت تعيش في تلك الزاوية المريحة من العالم، في ذاك الركن المظلم من الغار، حيث لا تدري ولا يهمها أن تدري ما يجري خارجه. تستمع العنكبوت إلى جدلية الحمامة الطويلة، تستمع وتستمع وتستمع، ثم إذا فرغت، تقول لها ما معناه: إنما هم بشر تنازعوا أمرهم وحريٌ بهم أن يسووا الأمر بينهم، وحريٌ بي أن ألزمَ عشي، وأشبعَ بطني، وأتعهدَ صغار بيضي. أحست الحمامة بخيبة كبيرة بسبب هذا الخذلان الغير متوقع. طارت وتركت العنكبوت وراءها، في ظلها الظليل وعشها البارد، وطفقت تجمع أوراق الشجر وأعواد النباتات كي تبني عشها المزموع جانب الغار. وفي العصر، أو المساء، أو في فجر اليوم التالي –لم أقرر الوقت بعد- تهب ريح دافئة انبعثت من بطن مكة، وتخرج العنكبوت إلى فم الغار ليقع بصرها على رجلين في مرمى البصر يسعيان مجدّين نحوها."
   هنا، اعتدل أحمد في جلسته، أو خيّل لإبراهيم أنه فعل، إن كان بالإمكان وصف هذا النوع من الحركة التي تحدث داخل جسد الشخص دون أن تنقبض له عضلة أو يتحرك فيه عضو.  إنه ذاك النوع من الحركة الذي يتخذه المنصت كي يبقى منتبها لا يفوته شيء، دون أن يزعج محدثه. تابع إبراهيم:
   "لكن أنّى لي أن أصف ما رأته العنكبوت؟ أن أصف هذين الرجلين القادمين نحوها؟ كتب الحديث والتاريخ قد تسعف الآن. أحدهما كان أبيضَ، نحيفا، ناتيء الوجه، غائر العينين. كان يتقدم صاحبه، ويستطلع له الطريق، والخوف والقلق باديان على وجهه. أما الثاني، فقد كان أدعجَ، سبط الشعر، سهل الخدين، كثّ اللحية، كأن عنقه إبريق فضة. إذا مشى كأنما ينقلع من صخر، وإذا التفت التفت جميعا."
   "ليس بالطويل ولا القصير، كأنما العرق في وجهه اللؤلؤ."
   ابتسم إبراهيم للإضافة التي انتزعها أحمد من فمه.
   "أنا هنا لا أسميهما لأني أتحدث من موقع العنكبوت. لم تكن تعرف هذين الرجلين. ليس بعد. لكن قاريء قصتي –بطبيعة الحال- سوف يعرف مباشرة عن من أتحدث. كما فعلتَ أنت. دخل الرجل الأول الغار، كي يتأكد من خلوه من الوحوش والسباع. فحص الأرض بباطن قدمه، وأدخل يده في كل جحر، فلقد كان خوفه على صاحبه، ولقد كان قلقه لأجل صاحبه، كان يحبه كل الحب، ويبجله أشد التبجيل. عندما تأكد من خلو الغار من الدواب والأفاعي أشار إلى صاحبه كي ينضم إليه. دخل الرجل الثاني الغار، وبقيت العنكبوت مكانها تفكر فيما رأت، لكنها سرعان ما دخلت هي أيضا كي تلقي نظرة أقرب على هذين الرجلين المختلفين. لم تكن العنكبوت تفهم الكلام البشري. هذه نقطة مفصلية. لقد كانت تشاهد بعينيها فقط، ولقد كان ما شاهدته كفيلا كي يزلزل عقلها وقلبها معا. كان العرق يتصبب من الرجل الأول، الرجل النحيل غائر العينين، وكانت ركبتاه تصطكان فَرَقا، وعندها، وضع الرجل الثاني يده على كتف صاحبه، وهمس له بشيء، وبمجرد أن قال هذا الشيء توقف اصطكاك الركبتين وانقطع تصببُ العرق. لكن كيف أستطيع أن أصف هذه الحركة؟ هذا الحنو اللانهائي في لمسة يده؟ كل تلك الطمأنينة وكل ذاك الحب المنسابين من راحة يده حين وضعها مطمئنا فوق كتف صاحبه؟ وكيف كانت هذه الحركة، كيف كانت هذه الكلمات، كافية كي تبدد مخاوف صاحبه، هكذا، دفعة واحدة، وكأنه نفخ على نار فأطفأها. كل هذا شاهدته العنكبوت. المشهد لم يستغرق سوى دقيقة. لكنه كان من الضخامة بحيث لا أستطيع أن أعبر عنه إلا بهذا الشكل الضخم. تذكّر مرة أخرى: العنكبوت لم تفهم شيئا مما يقولان. لكنها كانت ترى، ولقد رأت في قسمات هذين الرجلين، وفي تلك اللمسة، ما كان كافيا كي يجعلها تدرك الأمور على حقيقتها. انطلقت العنكبوت إلى فوهة الغار كي تبني النسج. انطلقت وكل ذرة في كيانها تخبرها أن هذا ليس نزاعا عاديا أو شأنا بشريا ليس لها علاقة به. الأمر أكبر من ذلك وأجلّ. إنها معركة بين الخير والشر. كل ذرة في كيانها كانت تجزم بذلك. لم تكن تحتاج أن تنتظر كي تنظر إلى غرماء هذين الرجلين وتتحقق. أيا كان هؤلاء الغرماء، إن مناصبتهم العداء لهذين الرجلين -الحاملين لهذه القسمات، والقادرين على اجتراح حركات بالغة الحنو مثل هذه- يضعهم مباشرة في الجهة المقابلة، في خانة الشر. هكذا قالت العنكبوت لنفسها. وهكذا مضت تبني النسج لتنهيه في اللحظات القليلة التي سبقت وصول كفار قريش.
   "وصل فتيان قريش وفرسانها ومعهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم وتوقفوا أمام فوهة الغار. رأوا أمامهم نسج عنكبوت لا يمكن لأحد أن يجتاز دون أن يتلفه. ورأوا عش حمامة بائضة لا يمكن لأحد أن يمر بجانبه دون أن يفزعها ويضطرها إلى الطيران. وهكذا انصرفوا خاسئين خاسرين. ولبث الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام بلياليهن. ثلاثة أيام، والعنكبوت تقف مشدوهة مكانها لا تريم، تراقب كل حركة أو همسة أو بنتَ شفة يقوم بها الرجلان. تراقبهما حين يصليان، وحين يتحدثان همسا، حين يأكلان، وحين ينامان ليلا. حدّثت نفسها قائلة أنها لم تنقذ الرجلين، وإنما أنقذت نفسها حين نسجت العش. بعد ثلاثة أيام وصل عامر بن فهيرة –مولى أبي بكر وربيبه- ومعه دليل من بني عدي. انطلق الأربعة في رحلتهم الطويلة نحو يثرب، تاركين الغار والعنكبوت وراءهم.
   "آهٍ يا صاحبي، أيّ خواء وأية وحشة شعرت بهما العنكبوت حين رحلوا! وأية حياة وأي عش يمكن أن تركن إليه بعد أن رأت هذين الرجلين لمدة ثلاثة أيام متتالية؟ كيف لها أن تنام هانئة كما كانت تفعل قبل أن تراهما؟ كيف لها أن تشبع بطنها وتتعهد بيضها كما كانت تفعل قبل أن تراهما؟ كيف لها أن تركن إلى هذه الزاوية المظلمة الباردة الهانئة، وهناك معركة كونية تدور رحاها في الخارج بين الخير والشر؟ بين النور والظلام؟ بين الرجال القادرين على ابتسامة مثل هذه، والرجال القادرين على تقطيبة مثل تلك؟
   "وهكذا نزلت العنكبوت من عشها، وانطلقت متوجهة إلى يثرب. لكن الشمس حارة، والعنكبوت صغيرة وبطيئة، والطريق إلى يثرب طويل طويل: ثور وعسفان، قديد والخراز، ثنية المرة وطريق العرج، ماء الغابر وبطن رئم. هل بإمكان عنكبوت صغيرة أن تقطع كل هذه المسافة؟ وسط الرمل، والشمس، والرمضاء؟ نعم يا صديقي، لقد ماتت العنكبوت. ماتت في الطريق. أدركها الجفاف واشتد بها الحر حتى يبست وسكنت وتوقفت حركتها. لقد تحولت حجرا، ولو مررت بها لما استطعت أن تفرق بينها وباقي الحصى والحجارة الملقاة على طول الطريق. إنها قصة تدفع إلى اليأس. أليس كذلك؟ لولا أن صاحبتنا الحمامة هبطت من السماء، وأطبقت عليها بمخالبها، وطارت إلى الأعلى. إلى الجنة. ستسألني أين هي الجنة؟ كيف اهتدت الحمامة إليها؟ هل هي في الأعلى؟ هل هي إلى الداخل، صوب القلب؟ هل هي جهة يثرب؟ أم أنها ملتقى هذه الطرق جميعا؟ لا أعلم يا صديقي. لكني أرجح الخيار الأخير. أخذت الحمامة ترتفع أعلى، وتبتعد أكثر، إلى أن جاوزت حدا شعرت بعده أن روحها تُنتزع انتزاعا. وعندما نظرت أسفل قدميها، تأكد ظنها، عندما رأت أن ما بقي من العنكبوت تحول ياقوتة حمراء، نشرت نورها الساطع حولها، وأضاءت لها طريقهما إلى الجنة. وهذه يا صاحبي هي قصة الياقوتة الحمراء التي ترقد بسلام على ضفاف الجنة، والريح التي تلعب ممهلة في جنباتها."
   فرغ إبراهيم من قصته، ونظر بخجل إلى صديقه فوجده صامتا لا يحرك ساكنا. لقد كان يتوقع مقاومة أكثر، أسئلة واعتراضات وشيئا من العنف، لكن أحمد بقي صامتا يفكر. وعندما تكلم أعرب عن عجبه كيف يقول إبراهيم أنه لم يبدأ بكتابة قصته، ولا يعرف كيف يكتبها، وهو يحفظ في مخيلته كل هذه التفاصيل والتعابير والتشابيه التي أعادها –بكل تأكيد- على نفسه مئات المرات؟
   كان هذا آخر عهد إبراهيم بابن خاله أحمد، قبل أن يسافر الأخير إلى الشام للجهاد. حدث ذلك بعد أسبوعين من لقائهما. طرق الخال أبو أحمد الباب ذات مرة ليجد أن ابنه اختفى ومعه أوراقه الثبوتية. بعد أسبوعين أو ثلاثة، علم الخال أن ابنه موجود في الشام، وأنه انضم إلى الجماعات الجهادية أو الإرهابية كما يسميها البعض وينبزها البعض الآخر. لقد كان مصابا جللا، وقع على الأم المسكينة وقعا صعبا، واضطرها أول الأمر للذهاب إلى المستشفى. ولكن أحدا لم يدرِ كم كان الخبر قاصما وصعبا بالنسبة إلى إبراهيم. لقد أحسّ بتأنيب هائل وهو يتذكر القصة التي حكاها لأحمد، عن الحمامة والعنكبوت، والهجرة إلى يثرب. هل كانت قصته هذه الشعرة التي قصمت ظهر البعير؟ أمن الصواب أن يحكي  قصة مثل هذه لرجل يفكر بالسفر للجهاد ويسميه هجرة؟ كانت هذه هي الأفكار التي تملأ رأس إبراهيم وتقضّ منامه كلما رأى خاله أو سمع بانتكاس حالة زوجته.
   وفجأة، وبمثل الطريقة التي اختفى بها، عاد أحمد. رجع شخصا آخر، بعد ما يقارب الثلاثة أشهر، بقسمات جديدة وروح مختلفة، بعد أن لقحته الحرب ووسمته بميسمها. كان للخبر دويا هائلا في العائلة، وتحدث الجميع كيف أن الحياة رجعت لأم أحمد بعد أن رأت ابنها، وكيف أن والده نسي كل اللعنات التي كان يطلقها وارتمى يقبل كفي ابنه ويطوقه بذراعيه المتعبتين. كان الأمر لا يُصدق. وتمنى الجميع أن يلتقوا بأحمد ليسألوه عما رأى وماذا فعل. وسرعان ما تحققت أمنيتهم، عندما أولم أبو أحمد على شرف ابنه العائد، ووجه الدعوات إلى كافة أفراد العائلة.
   كان إبراهيم من أوائل من توجه إلى الوليمة تلبية للدعوة بصحبة والده. عندما دخل المنزل وجد فناءه نظيفا هذه المرة، خاليا من ثمار النبق، ووجد الشجرة مقلمة الأغصان، مهذبة الورق. فكر إبراهيم: كم كان تصرفا عديم الحساسية من قبل خاله، عندما وجه هذه الدعوة للجميع دون أن يراعي وضع أحمد، في هذا الوقت وبهذا الحجم، من المؤكد أن أنظار الجميع سوف تنصب على صديقه المسكين وكأنه طائر نادر أو تحفة عجيبة. عندما دخل المجلس رأى ما وافق حدسه، كان المكان يغص بعشرات وعشرات من الأقارب، وكان اللغط يملأ الغرفتين المتصلتين وكأنه هدير موج بعيد. سلّم إبراهيم على خاله، وهنأ صديقه بالسلامة، ثم جلس بعيدا حيث انتهى به المجلس. من مكانه البعيد، لاحظ أن صديقه أحمد كان يرمقه بإصرار، ويوجه إليه النظرات بين الحين والحين. أحسّ إبراهيم ببعض الحرج، وتذكر قصته والحديث الذي دار بينهما قبل شهور، فعاوده شعور الذنب والخَرَق. حتى عندما انتقل المدعوون إلى الغداء، كان أحمد يرمقه من بعيد ويحاول أن يسترق منه نظرة عارف. لم يُتح لإبراهيم أن يتبادل أية محادثة ذات دلالة مع أحمد. ولكن عندما ودع وأبوه الخالَ وابنه، وهمّا بالخروج من المنزل، لحق الأخير بهما، واستوقفهما تحت شجرة النبق. قام أبو إبراهيم بالتخلص بلطف عندما استشعر حاجة الشابين إلى التحدث على انفراد.
   شدّ أحمد على يد إبراهيم بحرارة، وقال له:
   "لا أرى كتابا تحت ذراعك، هل تنكرت لعاداتك القديمة؟ ياله من حشد! لا تستطيع أن توجه أية كلمة ذات معنى في مثل هذا العدد. أردت أن أشكرك يا إبراهيم، فمن بين هؤلاء جميعا أنت الأقرب إلى قلبي، وكنت دائما في بالي. هل تتذكر أمثولتك التي حكيتها عن العنكبوت والحمامة؟ آهٍ يا صاحبي، لن تصدق الأشياء التي شاهدتها بعينيّ هاتين. لقد رأيت أعناقا تقطع، وجماجم تسقط، ودماء تسكب، وأناسا يُحرقون. كنت حين يظلني الليل، أتذكر بيتي هذا، والسدرة التي لعبنا تحتها، وأمي، وقصتك عن العنكبوت والحمامة والياقوتة الحمراء، ثم أتطلع إلى الرجال الذي ينامون حولي، وأبكي. كان أكثر ما هالني اتهام الناس لنا أننا خوارج وكفار وأذناب لأياد خارجية. والأحاديث والآيات يا إبراهيم، كان الفريق الآخر يستعمل نفس الأحاديث والآيات كي يكفرنا وليخرجنا من الملة! آهٍ يا صديقي، لقد رأيت الموت رأي العين مرتين أو ثلاثا، وخرجت بحمد الله سالما، وإن كان بقلب موجوع وضمير يسأل دائما: وماذا بعد؟ لم أجد من أتحدث معه بحرية، كان الخوف والتربص يجللان الجميع، والخيانة عقابها القتل. لكن وسط هذه القلاقل والخوف بقيت قصتك تدور في ذهني، وبالأخص ذاك المشهد العجيب، تلك النظرة وتلك اللمسة التي أدركت العنكبوت إثرها أين الخير وأين الشر. هل تذكر؟ عندما وضع الرسول صلوات الله وسلامه عليه يده فوق كتف أبي بكر. لقد عبّرتَ عن ذاك المشهد بطريقة عجيبة، بودي لو كنت أحفظها. تلك النظرة يا إبراهيم، تلك النظرة! هي التي أرجعتني. لقد كنت أبحث في وجوه أصحابي عن ما يملأني بمثل تلك النظرة، وعندما لم أجدها، رجعت."


عدي الحربش
July 15 - 2014




الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

إلى سيلفيا



"تخيّل أنك اضطررت للبقاء في قرية إيطالية صغيرة، حيث قررت إحدى الشركات الضائفة أن تعرض أوبرا التروبادور. تخيّل أنك -إذ لا شيء يشغلك- قررت أن تتهادى في جنبات المسرح، أن تسلم نفسك لهذا العرض الهزيل؛ أوركسترا سيئة، مغنية عجوز، وكورال يوفر نفسه من أجل النوتة الأخيرة. لكن تخيّل، وبعد أن صادفت كل شيء بالسوء الذي تتوقع، إذا بصوت ملائكي غير متخيّل، ينبعث من خلف الكواليس، صوت نقي كضوء القمر، غني كالشجن، قوي كالحقيقة، مغنيا بمفرده، بمعزل عن باقي الأصوات، وحيدا على الأرض، وبعيداً سوف يأخذك عن الأرض."

عندما قرأت الوصف السابق لجورج سانتيانا عن الشاعر الإيطالي جياكومو ليوباردي لفت انتباهي شيئان: تشبيه شعره بضوء القمر، والتركيز على عزلته. لم يكن سانتيانا الوحيد الذي شبه شعر ليوباردي بضوء القمر، فهذا أيضا مواطنه إيتالو كالفينو، عندما أراد أن يتحدث عن فضيلة الخفة lightness في إحدى محاضراته استدعى شعره كمثال: "الشيء المعجز في شعره أنه يزيل الوزن من اللغة، إلى درجة أن تصبح شبيهة بضوء القمر". إنه تشبيه لا مفر منه، فليوباردي شاعر القمر بامتياز، لقد ظهرت مفردة القمر في شعره أكثر من خمسمئة مرة. أما عزلته فهي الصفة الأظهر في حياته، وهي ما سأركز عليه في هذه التدوينة، ولعل العنوان الذي اختارته آيريس أوريجو للبيوغرافيا التي كتبتها عن الشاعر تثبت هذا الشيء: ليوباردي "دراسة في العزلة" Leopardi: A Study in Solitude


ليوباردي عاش حياة شقية، وهذا شيء لا مفر منه لشاعر يملك عقلا واطلاعا كونيين ثم يجد نفسه محصورا في قرية صغيرة ومنعزلة كقريته ريكاناتي. هناك شيء غريب هنا، وكما لو أن الظروف تعاضدت كي تهبه هذا الصوت الملائكي الأكثر حزنا. والده الكونت مونالدو ليوباردي كان آخر الأرستقراطيين، آخر من لبس السواد، وعلق سيفا حول خصره. كان مبذرا، تافها، ضيق الأفق، ولكن -وكما أن القدر أراد له أن يكون هكذا كي يؤدي هذا الدور الهام في تكوين ابنه العقلي- كان مهووسا بجمع الكتب. كان يشتري الكتب بالجملة، بالوزن، وكلما سمع عن كنيسة خربة على وشك الإغلاق سارع إلى شراء مكتبتها كاملة. وهكذا تكونت في قصره واحدة من أغرب المكتبات وأوسعها: كتب الدين، الفلسفة، اللغة، اللسانيات، الشعر، موسوعات، مجلدات، مجلات، كل شيء. عندما اكتملت، علّق الكونت مونالدو لافتة فوقها تقول أن مكتبته مفتوحة لجميع أبناء قريته ريكاناتي، لكن القرويين لم يكونوا مهتمين لا بالكتب ولا بالمكتبة. الشخص الوحيد الذي استفاد من هذه المكتبة الضخمة كان ابن الكونت، شاعرنا جياكومو، والذي سيغدو -بفضل مكتبة أبيه- واحدا من أعظم شعراء إيطاليا وأغناهم لغة.

ماذا عن والدة الشاعر؟ الكونتيسة آديلايدا ليوباردي؟ لقد كانت سيدة متدينة للغاية، وعندما شارف زوجها المبذر على الإفلاس استطاعت بحزمها وتدبيرها أن تنقذ العائلة من الفقر. لقد بقيت هذه السيدة خالدة في صفحات الأدب بسبب الوصف المخيف الذي تركه ابنها الشاعر عنها في دفتر ملاحظاته: "أعرف أماً لم تكن بالمتطيرة، لكنها كانت دقيقة صارمة في إيمانها المسيحي وممارستها الدينية. كانت عندما تسمع بعائلة فقدت أبناءها في سنينهم الأولى لا ترثي لهم، و إنما تحسدهم، لأن هؤلاء الأطفال سيذهبون مباشرة إلى الجنة، وسيكفون عائلتهم عبء نفقتهم. لقد وجدت نفسها أكثر من مرة على وشك فقدان أحد أطفالها. عندها لم تكن تصلي للرب كي يتوفاهم، إذ أن الدين يمنع ذلك، لكنها كانت تحس ببهجة عميقة، وعندما ترى زوجها يبكي حزنا كانت تنسحب إلى خلوتها شاعرة بضيق حقيقي. كانت متفانية في تعهد هؤلاء المرضى المساكين، لكنها في أعماق أعماقها تتمنى أن تذهب كل جهودها سدى، حتى أنها اعترفت ذات مرة أن الشيء الوحيد الذي كانت تخشاه أن تسمع أحد الأطباء يخبرها بتحسن طفلها. كانت تعتبر الجمال عقوبة حقيقة، وعندما ترى أن أبناءها بشعون أو مشوهون كانت تشكر الله بعمق، لا عن تسليم وإذعان، لكن بنشوة وفرح. لم تحاول أن تساعدهم في إخفاء عيوبهم، وإنما كانت تطالبهم -بسبب هذه التشوهات- أن يزهدوا بالحياة ويتنكروا لها في ميعة شبابهم. لو قاوموا، لو حاولوا خلاف ذلك، لو نجحوا أدنى نجاح، كانت ستنزعج، وبآرائها وتعليقاتها كانت ستحطّ من انجازاتهم قدر الإمكان. لم تكن لتفوّت فرصة دون أن توبخهم وتذكرهم بعيوبهم الخلقية، وما تقتضيه هذه التشوهات من إنكار للحياة، وأن تقنعهم بتعاستهم المحتمة، تفعل كل ذلك بإخلاص وتفانٍ. كل ذلك من أجل أن تنقذ أرواحهم. هذه المرأة وهبتها الطبيعة مزاجا حساسا للغاية، لكنه أفسد بسبب الدين."

في هذه القرية الصغيرة، وهذا القصر الخانق، في كنف هذا الأب الغريب، وهذه الأم القاسية، نشأ جياكومو. كان متوقعا منه أن يصبح رجل دين. كانت أمه تلبسه مسوح الرهبان منذ طفولته. يروي جياكومو أنه أجبر على النظر إلى جثة أخيه المتوفي في مهده وهو لا يزال طفلا دون السادسة. القس الذي كان موكلا بتعليمه لم يعد بإمكانه أن يدرسه أي شيء فلقد فاق جياكومو معلمه وهو لا يزال في الحادية عشرة. وهكذا انكب الطفل العبقري على المجلدات في مكتبة أبيه، فعلم نفسه اللاتينية واليونانية والعبرية والفرنسية والإنجليزية. كان اهتمامه في البداية منصبا على فقه اللغة philology واللسانيات، وهو ما وهبه مخزونا لغويا هائلاً سيفيده لاحقا بعد أن يتجه إلى الشعر. كان اكتشافه سحر فيرجل وهوميروس وسوفوكولس نقطة تحول في حياته. رغم أنه كان في معزل في قريته الهادئة عن الحراك الفلسفي في فرنسا وألمانيا، إلا أنه علّم نفسه الفلسفة انطلاقا من حكمة الإغريق، ثم تقدم بمفرده، فعالج مسائلا غير مطروقة في دفتر ملاحظاته Zibaldone لن تلتفت إليها الفلسفة إلا في القرن العشرين. هذا الحدب على القراءة والدرس أفسد عينيه، فلم يعد يتحمل الضوء الساطع، وفي نفس الوقت بدأ عموده الفقري بالتشوه والانحناء لتظهر حدبة واضحة تشوّه ظهره. حاول عمه الذي يعيش في روما أن يقنع والده باصطحابه معه كي يخلصه من هذه الأجواء القاتمة وليتعافى، لكن والده الذي كان متعلقا به رفض ذلك كل الرفض. لم يكن يسمح لجياكومو بالخروج من القصر إلا بمصاحبة المربين والخدم. ضاق جياكومو بهذا الجو الخانق، وأخذ يتطلع إلى التواصل مع الأدباء المعاصرين في روما وبيزا وفلورنسا، لكن والده بقي له بالمرصاد. في إحدى المرات حاول جياكومو الحصول على جواز سفر والهرب من منزل أسرته لكن والده اكتشف الخطة وقرّعه تقريعا عنيفا. وهكذا رجع جياكومو إلى المكتبة خائبا حزينا، وقد امتلأ بقناعة مفادها خيبة المسعى الإنساني، وبأن الإنسان محكوم بالحزن والموت.

تصوروا معي؛ جياكومو يجلس في المكتبة منكبا على كتبه. قماشة رثة تعلو كتفيه كي تمنحه بعض الدفء. الستائر مرخاة فوق الشرفات كي لا يضايق الضوء عينيه. الظلام يحيط به ويملأ روحه. ثم فجأة، يخترق صمت المكتبة صوت ملائكي. يترك جياكومو محبرته وكتبه ويتوجه كالمسحور إلى إحدى الشرفات كي يتسقط مصدر هذا الغناء الساحر. في الجهة المقابلة من الشارع جلست تيريزا فاتوريني، ابنة الحوذي الذي يشتغل عند والده. كانت يداها الصغيرتان تلعبان بخيوط المغزل، بينما الغناء ينبعث كالشفاء من ثغرها. أخذ جياكومو يتطلع إليها فإذا بالجروح تندمل داخله، ثم تطلع إلى الأفق خلفها، فإذا بالجبال تمتد ملتفة، وإذا بمياه البحر الزرقاء تتلامع غامزة دون نهاية.

بعد سنوات، سيتذكر جياكومو تلك اللحظة الساحرة ويستدعيها في واحدة من أشهر أناشيده. سيخبره أحدهم أن ابنة الحوذي الخاص بهم توفيت مصدورة بمرض السلّ. سيتذكرها بعد أن يترك منزل والديه فيذوق الفقر والخيبة واليأس في بيزا. سيتذكرها، ويستدعيها بالاسم الذي اختاره لقبا لها "سيلفيا"، وستصبح -بشبابها الضائع ووجهها الشاحب- رمزا لخيبة المسعى الإنساني وحتمية الحزن كإجابة فلسفية لسؤال الحياة. قصيدة "إلى سيلفيا" من أشهر قصائد اللغة الإيطالية وأكثرها حزنا. الرتم في شعر ليوباردي بطيء متأمل، والموسيقى حزينة هادئة. محبو شعره يزعمون أن لغته فريدة وصعبة، فالمفردات التي يستخدمها محدودة، لكنه كالثري الذي لا يستخدم إلا الجواهر من ثروته. ديوان أناشيده المعروف بالـ Canti  من أعذب دواوين الشعر التي قرأتها وأحبها إلى قلبي. رغم أن أناشيده لا تتجاوز الخمسين، إلا أن كل واحدة منها عبارة عن تحفة فريدة. لم يترجم ديوانه بعد إلى العربية. من أراد القراءة له بالإنجليزية فليقرأ ترجمة جوناثان جالاسي أو ج. نيكولز. هذه ترجمة سريعة قمت بها لقصيدته "إلى سيلفيا" ..



إلى سيلفيا

سيلفيا؛ أما زلتي تتذكرين
تلك اللحظة في حياتك الفانية
حين جلستي -ويالجمالكِ-
بعينيك اللامعتين وهما لا تبارحان الأرض،
كنتي بالكاد تفكرين بالمضي
عبر ذاك الباب تاركة شبابكِ خلفه؟

الغرف الهادئة دوّت
وكذا الأزقة
بصوت أغنيتك الأبدية
بينما كنتي مستغرقة في أعمالك المنزلية،
راضية كل الرضى
بذاك المستقبل السديمي الذي ادخرتي في عقلك.
هكذا كنتي تقضين في مايو العطري
سحابة يومِك.

تركتُ يومها دفتري جانبا
والمجلداتِ التي كانت سبباً
في استهلاك شبابي وإتلاف كل ما كان رطبا 
غضا في إهابي.
ومن فوق شرفات منزل أجدادي
أصخت بأذني كي أسمع صوتكِ
وكيف أن كفكِ كانت تنساب رشيقةً
وهي تشتغل فوق خيوطِ النول.
تطلعت حينها إلى السماء الصافية
وإلى الأزقة والشوارع وقد اصطبغت ذهباً،
ها هناك بدت الجبال،
وها هناك بحر بعيد،
ولا يمكن للسانٍ أن يصفَ سعادتي يومها.

أي أفكارٍ هانئة،
أي آمال، وأي قلوب، آهٍ يا سيلفيا!
كيف أن الحياةَ والقدر ظهرا لنا
وكما لو أنهما محمّلان نعيماً!
حين أتذكر الآن كل ذاك الأمل
تغمرني المرارة،
وأستشيط غضبا ضد حظي البائس.
آهٍ أيتها الطبيعة، أيتها الطبيعة،
لمَ لا تؤدين كل ما وعدتي به؟
لم تضللين أطفالكِ بوعودٍ كاذبة؟

مرِضتي، وقبل أن تذبل الأعشاب في بردِ الشتاءِ
غُلبتي، ومتي، آهٍ يا طفلتي.
لم نرَ سنواتكِ تزهرُ شباباً،
ولم يتسنى للرجال أن يحركوا قلبكِ
بإطرائاتهم عن شعركِ الأسودِ تارةً،
وعن الخجلِ المضطرمِ في عينيكِ تارة.
ولا أن تتحدثي مع رفيقاتكِ في الأعيادِ
بشوقٍ عن الحب.

ثمّ بعدَ مدةٍ وجيزة
ماتَ أملي أيضاً،
وحرمتني أمهاتُ القدرِ 
حتى من الشباب.
ذهبتي؛ يا رفيقة أيامي البريئة،
ويا أملي الذي أبكي لأجله.
أهذا هو العالم إذن؟
أهذه هي الأفراح؟ العشق؟ الأعمال؟ وما 
كنا نتحدثُ عنه في خلواتنا؟
أهذا مصيرُ الجنس البشري؟
تلك اللحظة التي ظهرت فيها الحقيقة
سقطتي. أيتها المسكينة: ومن بعيد
قادتني يدكِ وهي تشير بإصبعِ الموتِ الباردِ إلى
ضريحٍ عارٍ.


ترجمة: عدي الحربش
Oct 30 / 2013