السبت، 4 مايو، 2013

في حب ناظم حكمت




أعرفُ أربعة شعراءٍ يمتلئ شعرهم بعاطفةٍ جيّاشة، بحبٍ هائل من النادر أن تلقى مثله: عمر بن أبي ربيعة تجاه النساء، لوركا تجاه الحياة، جلال الدين الرومي تجاه الله، و ناظم حكمت تجاه الناس. لا أحبُ أشعار الاشتراكية و السياسة، و لكن شعر ناظم حكمت استثناء، إذ أن حبه يتعدى النظريات و المنظمات ليشمل الانسان و الأرض و الحياة بجميع صورها. ناظم حكمت عانى كثيرا أثناء حياته، إذ بقي في السجن لمدة أثنتي عشرة سنة، و منعت كتاباته و صودرت في بلده تركيا، و اضطر إلى الهرب منها فوق قاربٍ في ليلة ليلاء خوفا على حياته. ظل منفيا، ليتنقل ما بين موسكو و بولندا و وارسو و براغ، و ليموت بعيدا عن وطنه في عام 1963. رغم ذلك، شعره لا يمتلئ بالهجاء و الكراهية كباقي الثوريين و الحركيين، و إنما هناك عاطفة جياشة متعالية تريد أن تطوق بذراعيها جميع أشكال الحياة على هذه الأرض.

ها هنا سأضع ثلاث قصائد أثيرة له من ترجمتي: الأولى يخاطب فيها زوجته من سجنه في برصا، الثانية ثورية يتحدث فيها عن همومه بعد أن أصابته ذبحة صدرية في مشفى السجن، و الثالثة يتحدث فيها عن فلسفته في الحياة..



رسالة إلى زوجتي

(.. كتبها داخل سجن برصا)

واحدتي .. ياحبي!
رسالتكِ الأخيرةُ تقول:
" رأسي يؤلمني ..
قلبي مذهول! "
تقولينَ:
" لو شنقوك ..
لو أنني فقدتك ..
سأموت! "

سوف تعيشين .. حياتي –
ذكراي سوف تتلاشى كدخانٍ أسودَ وسط الريح
بالطبعِ سوف تعيشين .. ياسيدة قلبي الحمراء الشَعر:
في القرنِ العشرين
فالحزن ولو طال
لن يبقى أكثرَ من عام.

الموت-
جسدٌ يتدلى من حبل.
قلبي
لن يقبلَ بمثلِ هذا الموتْ.
ولكن
تستطيعين أن تراهني لو أنَّ
يدَ غجريٍ تعيس
شعراءَ .. سوداء .. عنكبوتية
زحلقت أنشوطة 
حولَ عنقي
فسوف يضيعون وقتهم لو أرادوا أن يروا خوفاً
في عيونِ ناظم
الزرقاء.

في فجرِ آخرِ صباحٍ لي
أنا
سوف أرى أصحابي .. وأراكِ
ثم أمضي
إلى قبري
نادماً على لا شيء .. غير أغنيةٍ لم أكملها ...

زوجتي!
طيبةَ القلب 
ياذهبية
ياعيوناً أحلى من العسل – يانحلتي !
لماذا كتبتُ لكِ
أنهم يعتزمون شنقي؟
محاكمتي بالكادِ بدأت
وهم لا يقتلعون رأس الرجلِ
كما لو كان فجلاً.
اسمعي .. انسي هذا كله.
لو بقيت معكِ بعض النقود
اشتري لي ثياباً داخلية :
عرق النسا ذبحني ثانيةً.
ولا تنسي:
زوجة السجين
يجب أن تفكرَ أفكاراً حَسنة.







ذبجة صدرية



لو أنّ نصفَ قلبي هنا يا دكتور،
فإنّ نصفه الآخرَ في الصين
مع الجيشِ، يزحفُ
صوبَ النهرِ الأصفر.
و كل صباحٍ يا دكتور،
كل صباحٍ إبانَ شروقِ الشمس
قلبي يسقطُ برصاصةٍ في اليونان.
و كل ليلٍ يا دكتور،
عندما يهجعُ السجناءُ و يخلو المشفى،
يتوقفُ قلبي عندَ بيتٍ متهدّمٍ عتيق
وسطَ إسطنبول.
و بعدَ ذلك، بعدَ عشر سنوات
كل ما أملكُ أن أهبَه شعبي المسكين
هو هذه التفاحة التي أمسكها في راحتي يا دكتور،
تفاحة واحدة حمراء:
قلبي.
و هذا يا دكتور، هو سببُ
الذبحة الصدرية -
ليسَ النيكوتين، و لا السجن، و لا تصلب الشرايين.
أتطلعُ في الليلِ من خلفِ أعمدةِ الزنزانة،
و برغمِ هذا الحملِ الجاثم فوقَ صدري
قلبي لا يزالُ ينبضُ مع أقاصي النجوم.






عن الحياة



1

أن تحيا، ليسَ بأمرٍ سهل:
يجبُ أن تحيا بجديةٍ وصرامة
كسنجابٍ، على سبيلِ المثال
أعني من دونِ أن تبحثَ عن شئٍ وراءَ أو فوقَ الحياة.
أعني أن الحياةَ يجبُ أن تكونَ كلَ شئ.

أن تحيا، ليسَ بأمرٍ سهلٍ:
يجبُ أن تأخذَ الموضوعَ بجديّةٍ
إلى درجةِ أن
تمشيَ -على سبيلِ المثالِ- ويداك خلفَ ظهرِكَ
ظهركَ مستندٌ على الجدار
أو في المعملِ
بمعطفكَ الأبيضِ ونظاراتكَ الواقية
تستطيعُ أن تموتَ من أجلِ غيرِكَ
من أجلِ أناسٍ لم ترَ وجوههم 
حتى وإن كنتَ تعلمُ أن الحياةَ هي الأكثر حقيقةً، الأكثر جمالاً.

أعني أنهُ يتوجبُ عليكَ أن تأخذَ الحياةَ بشكلٍ جديّ
إلى درجةِ أن تزرعَ أشجارَ الزيتونِ حتى لو كنتَ في السبعينَ من عمرِك 
ليسَ من أجلِ أطفالك فقط،
ولكن لأنكَّ -رغمَ خشيتكَ منه- لستَ تؤمنُ بالموت
ما أعنيهِ أنَّ الحياةَ تعني لكَ أكثر.

2

دعنا نقولُ أنّكَ فعلاً مريضٌ، تحتاجُ جراحةً
وهذهِ الجراحةُ -دعنا نقول- لا يمكنُ الحصولَ عليها
على المنضدةِ البيضاء.
حتى ولو كانَ من المستحيلِ أن لا تشعرَ بالحزنِ 
نتيجةَ موتِك المبكر بعضَ الشئِ 
إلا أننا سنظلُ نضحكُ على النكتِ المحكيّةِ
سوفَ ننظرُ عبرَ النافذةِ لنشاهدَها تمطرُ
أو سنظلُ ننتظرُ بترقبٍ
آخر نشراتِ الطقسِ
دعنا نقول أننا في الجبهة
من أجلِ شئٍ يستحقُ أن نقاتلَ من أجلهِ
هناك، بعدَ أولِ هجمةٍ، في غمارِ نفسِ ذلك اليوم
ربما سوفَ نسقطُ على وجوهِنا، موتى.
سوفَ نعلمُ بذلكَ بغضبٍ غريبٍ
ولكننا سنظلُ قلقينَ حتى الموت
بخصوصِ نتائجِ الحربِ التي يمكن أن تستمرَ لأعوام.
دعنا نقول أننا في السجنِ
على مشارفِ الخمسين من العمر
بقي لدينا ثمانية عشرة عاماً مَثلاً
قبل أن تُفتحَ الأبواب الحديدية.
سوفَ نبقى متواصلينَ مع الخارجِ
مع ناسِه وحيواناتِه، صراعِه ورياحِه
أعني مع الخارجِ خلفَ الجدران.
أعني -حيثما نكون وكيفما نكون-
يجبُ أن نحيا كما لو أننا لن نموتَ أبداً.

3

هذه الأرضُ سوفَ تغدو باردةً
نجمةً بين النجماتِ
واحدةً من صغارهنّ
ذرةً ذهبية وسطَ المخملِ الأسودِ
أنا أعني هذه، أرضنا العظيمة.
هذه الأرض سوف تغدو باردةً ذاتَ يوم
ليسَ كقطعةِ ثلجٍ
ولا كسحابةٍ ميتةٍ حتى
ولكن كشجرةِ بلوطٍ مجوفة، سوفَ تتدحرجُ عبرَ
الفضاءِ شديدِ العتمة..
يجبُ أن تبكي لهذا الآن
يجبُ أن تشعرَ بهذا الحزنِ الآن
إذْ أن الحياةَ يجبُ أن تُعشقَ لهذه الدرجةِ
لو كنتَ تنوي أن تقولَ ذاتَ يومٍ: "أنا قد كنتُ حياً"..

ترجمات: عدي الحربش


..

القصيدة الأخيرة هي قصيدتي المفضلة لناظم حكمت. منذ ترجمتها قبل عدة سنوات، و صورها و معانيها لا تغادران عقلي. بودي لو تدرس في المناهج الدراسية للطلاب. ها هنا استطاع حكمت أن يعبر بطريقة فريدة عن حب الحياة، و الوجانب الإنساني تجاهها: يجبُ أن تأخذ الأمر بجدية، إلى درجة أن تمشي -على سبيل المثال- و يداك خلف ظهرك!

يعجبني كيف يستدرك حكمت في كل مقطعٍ ليقول: "على سبيل المثال.. أعني مثلاً.. دعنا نقول".. ها هنا تحسُ بحرارةِ العاطفة تنبعث من حديثه، بالإلحاح الذي يجبره على التعبير عن الشيء العظيم الذي يعتمل في داخله: أن تزرع شجرة زيتون في آخر يوم من حياتك.

الصورة الموجودة في المقطع الأخيرة ملحمية في دراميتها. لا أستطيع أن أقرأها دون أصاب بحزن شديد. أن تتحول أرضنا الخضراء هذه إلى شجرة بلوط مجوفة خربة، تسبحُ بلا نهاية في الفضاء. قمة الجدب و العقم.

هناك تعليقان (2):

  1. القصيدة الأخيرة!ياإلهي وش كثر فيها حزن ووش كثر فيها إنسانية ومحبة
    شكراً لك استاذ عدي أتحفتنا

    ردحذف
  2. القصيدة تخلق شعور بالوحشة الرهيبة :(

    ردحذف