الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

إلى سيلفيا



"تخيّل أنك اضطررت للبقاء في قرية إيطالية صغيرة، حيث قررت إحدى الشركات الضائفة أن تعرض أوبرا التروبادور. تخيّل أنك -إذ لا شيء يشغلك- قررت أن تتهادى في جنبات المسرح، أن تسلم نفسك لهذا العرض الهزيل؛ أوركسترا سيئة، مغنية عجوز، وكورال يوفر نفسه من أجل النوتة الأخيرة. لكن تخيّل، وبعد أن صادفت كل شيء بالسوء الذي تتوقع، إذا بصوت ملائكي غير متخيّل، ينبعث من خلف الكواليس، صوت نقي كضوء القمر، غني كالشجن، قوي كالحقيقة، مغنيا بمفرده، بمعزل عن باقي الأصوات، وحيدا على الأرض، وبعيداً سوف يأخذك عن الأرض."

عندما قرأت الوصف السابق لجورج سانتيانا عن الشاعر الإيطالي جياكومو ليوباردي لفت انتباهي شيئان: تشبيه شعره بضوء القمر، والتركيز على عزلته. لم يكن سانتيانا الوحيد الذي شبه شعر ليوباردي بضوء القمر، فهذا أيضا مواطنه إيتالو كالفينو، عندما أراد أن يتحدث عن فضيلة الخفة lightness في إحدى محاضراته استدعى شعره كمثال: "الشيء المعجز في شعره أنه يزيل الوزن من اللغة، إلى درجة أن تصبح شبيهة بضوء القمر". إنه تشبيه لا مفر منه، فليوباردي شاعر القمر بامتياز، لقد ظهرت مفردة القمر في شعره أكثر من خمسمئة مرة. أما عزلته فهي الصفة الأظهر في حياته، وهي ما سأركز عليه في هذه التدوينة، ولعل العنوان الذي اختارته آيريس أوريجو للبيوغرافيا التي كتبتها عن الشاعر تثبت هذا الشيء: ليوباردي "دراسة في العزلة" Leopardi: A Study in Solitude


ليوباردي عاش حياة شقية، وهذا شيء لا مفر منه لشاعر يملك عقلا واطلاعا كونيين ثم يجد نفسه محصورا في قرية صغيرة ومنعزلة كقريته ريكاناتي. هناك شيء غريب هنا، وكما لو أن الظروف تعاضدت كي تهبه هذا الصوت الملائكي الأكثر حزنا. والده الكونت مونالدو ليوباردي كان آخر الأرستقراطيين، آخر من لبس السواد، وعلق سيفا حول خصره. كان مبذرا، تافها، ضيق الأفق، ولكن -وكما أن القدر أراد له أن يكون هكذا كي يؤدي هذا الدور الهام في تكوين ابنه العقلي- كان مهووسا بجمع الكتب. كان يشتري الكتب بالجملة، بالوزن، وكلما سمع عن كنيسة خربة على وشك الإغلاق سارع إلى شراء مكتبتها كاملة. وهكذا تكونت في قصره واحدة من أغرب المكتبات وأوسعها: كتب الدين، الفلسفة، اللغة، اللسانيات، الشعر، موسوعات، مجلدات، مجلات، كل شيء. عندما اكتملت، علّق الكونت مونالدو لافتة فوقها تقول أن مكتبته مفتوحة لجميع أبناء قريته ريكاناتي، لكن القرويين لم يكونوا مهتمين لا بالكتب ولا بالمكتبة. الشخص الوحيد الذي استفاد من هذه المكتبة الضخمة كان ابن الكونت، شاعرنا جياكومو، والذي سيغدو -بفضل مكتبة أبيه- واحدا من أعظم شعراء إيطاليا وأغناهم لغة.

ماذا عن والدة الشاعر؟ الكونتيسة آديلايدا ليوباردي؟ لقد كانت سيدة متدينة للغاية، وعندما شارف زوجها المبذر على الإفلاس استطاعت بحزمها وتدبيرها أن تنقذ العائلة من الفقر. لقد بقيت هذه السيدة خالدة في صفحات الأدب بسبب الوصف المخيف الذي تركه ابنها الشاعر عنها في دفتر ملاحظاته: "أعرف أماً لم تكن بالمتطيرة، لكنها كانت دقيقة صارمة في إيمانها المسيحي وممارستها الدينية. كانت عندما تسمع بعائلة فقدت أبناءها في سنينهم الأولى لا ترثي لهم، و إنما تحسدهم، لأن هؤلاء الأطفال سيذهبون مباشرة إلى الجنة، وسيكفون عائلتهم عبء نفقتهم. لقد وجدت نفسها أكثر من مرة على وشك فقدان أحد أطفالها. عندها لم تكن تصلي للرب كي يتوفاهم، إذ أن الدين يمنع ذلك، لكنها كانت تحس ببهجة عميقة، وعندما ترى زوجها يبكي حزنا كانت تنسحب إلى خلوتها شاعرة بضيق حقيقي. كانت متفانية في تعهد هؤلاء المرضى المساكين، لكنها في أعماق أعماقها تتمنى أن تذهب كل جهودها سدى، حتى أنها اعترفت ذات مرة أن الشيء الوحيد الذي كانت تخشاه أن تسمع أحد الأطباء يخبرها بتحسن طفلها. كانت تعتبر الجمال عقوبة حقيقة، وعندما ترى أن أبناءها بشعون أو مشوهون كانت تشكر الله بعمق، لا عن تسليم وإذعان، لكن بنشوة وفرح. لم تحاول أن تساعدهم في إخفاء عيوبهم، وإنما كانت تطالبهم -بسبب هذه التشوهات- أن يزهدوا بالحياة ويتنكروا لها في ميعة شبابهم. لو قاوموا، لو حاولوا خلاف ذلك، لو نجحوا أدنى نجاح، كانت ستنزعج، وبآرائها وتعليقاتها كانت ستحطّ من انجازاتهم قدر الإمكان. لم تكن لتفوّت فرصة دون أن توبخهم وتذكرهم بعيوبهم الخلقية، وما تقتضيه هذه التشوهات من إنكار للحياة، وأن تقنعهم بتعاستهم المحتمة، تفعل كل ذلك بإخلاص وتفانٍ. كل ذلك من أجل أن تنقذ أرواحهم. هذه المرأة وهبتها الطبيعة مزاجا حساسا للغاية، لكنه أفسد بسبب الدين."

في هذه القرية الصغيرة، وهذا القصر الخانق، في كنف هذا الأب الغريب، وهذه الأم القاسية، نشأ جياكومو. كان متوقعا منه أن يصبح رجل دين. كانت أمه تلبسه مسوح الرهبان منذ طفولته. يروي جياكومو أنه أجبر على النظر إلى جثة أخيه المتوفي في مهده وهو لا يزال طفلا دون السادسة. القس الذي كان موكلا بتعليمه لم يعد بإمكانه أن يدرسه أي شيء فلقد فاق جياكومو معلمه وهو لا يزال في الحادية عشرة. وهكذا انكب الطفل العبقري على المجلدات في مكتبة أبيه، فعلم نفسه اللاتينية واليونانية والعبرية والفرنسية والإنجليزية. كان اهتمامه في البداية منصبا على فقه اللغة philology واللسانيات، وهو ما وهبه مخزونا لغويا هائلاً سيفيده لاحقا بعد أن يتجه إلى الشعر. كان اكتشافه سحر فيرجل وهوميروس وسوفوكولس نقطة تحول في حياته. رغم أنه كان في معزل في قريته الهادئة عن الحراك الفلسفي في فرنسا وألمانيا، إلا أنه علّم نفسه الفلسفة انطلاقا من حكمة الإغريق، ثم تقدم بمفرده، فعالج مسائلا غير مطروقة في دفتر ملاحظاته Zibaldone لن تلتفت إليها الفلسفة إلا في القرن العشرين. هذا الحدب على القراءة والدرس أفسد عينيه، فلم يعد يتحمل الضوء الساطع، وفي نفس الوقت بدأ عموده الفقري بالتشوه والانحناء لتظهر حدبة واضحة تشوّه ظهره. حاول عمه الذي يعيش في روما أن يقنع والده باصطحابه معه كي يخلصه من هذه الأجواء القاتمة وليتعافى، لكن والده الذي كان متعلقا به رفض ذلك كل الرفض. لم يكن يسمح لجياكومو بالخروج من القصر إلا بمصاحبة المربين والخدم. ضاق جياكومو بهذا الجو الخانق، وأخذ يتطلع إلى التواصل مع الأدباء المعاصرين في روما وبيزا وفلورنسا، لكن والده بقي له بالمرصاد. في إحدى المرات حاول جياكومو الحصول على جواز سفر والهرب من منزل أسرته لكن والده اكتشف الخطة وقرّعه تقريعا عنيفا. وهكذا رجع جياكومو إلى المكتبة خائبا حزينا، وقد امتلأ بقناعة مفادها خيبة المسعى الإنساني، وبأن الإنسان محكوم بالحزن والموت.

تصوروا معي؛ جياكومو يجلس في المكتبة منكبا على كتبه. قماشة رثة تعلو كتفيه كي تمنحه بعض الدفء. الستائر مرخاة فوق الشرفات كي لا يضايق الضوء عينيه. الظلام يحيط به ويملأ روحه. ثم فجأة، يخترق صمت المكتبة صوت ملائكي. يترك جياكومو محبرته وكتبه ويتوجه كالمسحور إلى إحدى الشرفات كي يتسقط مصدر هذا الغناء الساحر. في الجهة المقابلة من الشارع جلست تيريزا فاتوريني، ابنة الحوذي الذي يشتغل عند والده. كانت يداها الصغيرتان تلعبان بخيوط المغزل، بينما الغناء ينبعث كالشفاء من ثغرها. أخذ جياكومو يتطلع إليها فإذا بالجروح تندمل داخله، ثم تطلع إلى الأفق خلفها، فإذا بالجبال تمتد ملتفة، وإذا بمياه البحر الزرقاء تتلامع غامزة دون نهاية.

بعد سنوات، سيتذكر جياكومو تلك اللحظة الساحرة ويستدعيها في واحدة من أشهر أناشيده. سيخبره أحدهم أن ابنة الحوذي الخاص بهم توفيت مصدورة بمرض السلّ. سيتذكرها بعد أن يترك منزل والديه فيذوق الفقر والخيبة واليأس في بيزا. سيتذكرها، ويستدعيها بالاسم الذي اختاره لقبا لها "سيلفيا"، وستصبح -بشبابها الضائع ووجهها الشاحب- رمزا لخيبة المسعى الإنساني وحتمية الحزن كإجابة فلسفية لسؤال الحياة. قصيدة "إلى سيلفيا" من أشهر قصائد اللغة الإيطالية وأكثرها حزنا. الرتم في شعر ليوباردي بطيء متأمل، والموسيقى حزينة هادئة. محبو شعره يزعمون أن لغته فريدة وصعبة، فالمفردات التي يستخدمها محدودة، لكنه كالثري الذي لا يستخدم إلا الجواهر من ثروته. ديوان أناشيده المعروف بالـ Canti  من أعذب دواوين الشعر التي قرأتها وأحبها إلى قلبي. رغم أن أناشيده لا تتجاوز الخمسين، إلا أن كل واحدة منها عبارة عن تحفة فريدة. لم يترجم ديوانه بعد إلى العربية. من أراد القراءة له بالإنجليزية فليقرأ ترجمة جوناثان جالاسي أو ج. نيكولز. هذه ترجمة سريعة قمت بها لقصيدته "إلى سيلفيا" ..



إلى سيلفيا

سيلفيا؛ أما زلتي تتذكرين
تلك اللحظة في حياتك الفانية
حين جلستي -ويالجمالكِ-
بعينيك اللامعتين وهما لا تبارحان الأرض،
كنتي بالكاد تفكرين بالمضي
عبر ذاك الباب تاركة شبابكِ خلفه؟

الغرف الهادئة دوّت
وكذا الأزقة
بصوت أغنيتك الأبدية
بينما كنتي مستغرقة في أعمالك المنزلية،
راضية كل الرضى
بذاك المستقبل السديمي الذي ادخرتي في عقلك.
هكذا كنتي تقضين في مايو العطري
سحابة يومِك.

تركتُ يومها دفتري جانبا
والمجلداتِ التي كانت سبباً
في استهلاك شبابي وإتلاف كل ما كان رطبا 
غضا في إهابي.
ومن فوق شرفات منزل أجدادي
أصخت بأذني كي أسمع صوتكِ
وكيف أن كفكِ كانت تنساب رشيقةً
وهي تشتغل فوق خيوطِ النول.
تطلعت حينها إلى السماء الصافية
وإلى الأزقة والشوارع وقد اصطبغت ذهباً،
ها هناك بدت الجبال،
وها هناك بحر بعيد،
ولا يمكن للسانٍ أن يصفَ سعادتي يومها.

أي أفكارٍ هانئة،
أي آمال، وأي قلوب، آهٍ يا سيلفيا!
كيف أن الحياةَ والقدر ظهرا لنا
وكما لو أنهما محمّلان نعيماً!
حين أتذكر الآن كل ذاك الأمل
تغمرني المرارة،
وأستشيط غضبا ضد حظي البائس.
آهٍ أيتها الطبيعة، أيتها الطبيعة،
لمَ لا تؤدين كل ما وعدتي به؟
لم تضللين أطفالكِ بوعودٍ كاذبة؟

مرِضتي، وقبل أن تذبل الأعشاب في بردِ الشتاءِ
غُلبتي، ومتي، آهٍ يا طفلتي.
لم نرَ سنواتكِ تزهرُ شباباً،
ولم يتسنى للرجال أن يحركوا قلبكِ
بإطرائاتهم عن شعركِ الأسودِ تارةً،
وعن الخجلِ المضطرمِ في عينيكِ تارة.
ولا أن تتحدثي مع رفيقاتكِ في الأعيادِ
بشوقٍ عن الحب.

ثمّ بعدَ مدةٍ وجيزة
ماتَ أملي أيضاً،
وحرمتني أمهاتُ القدرِ 
حتى من الشباب.
ذهبتي؛ يا رفيقة أيامي البريئة،
ويا أملي الذي أبكي لأجله.
أهذا هو العالم إذن؟
أهذه هي الأفراح؟ العشق؟ الأعمال؟ وما 
كنا نتحدثُ عنه في خلواتنا؟
أهذا مصيرُ الجنس البشري؟
تلك اللحظة التي ظهرت فيها الحقيقة
سقطتي. أيتها المسكينة: ومن بعيد
قادتني يدكِ وهي تشير بإصبعِ الموتِ الباردِ إلى
ضريحٍ عارٍ.


ترجمة: عدي الحربش
Oct 30 / 2013



السبت، 28 سبتمبر، 2013

كيف مات باراباس؟


قبل أسابيع، التقطت من مكتبتي رواية قصيرة لا تتعدى صفحاتها المئة والأربعين: "باراباس".. ياله من اسم! كنت أبحث عن قراءة سريعة وخفيفة، وبالفعل، كانت قراءة سريعة، لكنها لم تكن خفيفة أبدا. لم أكن قد سمعت بمؤلفها السويدي بار لاغركفيست، رغم أنه أحد الفائزين بنوبل، ولعلي الآن أستطيع أن أقول أنه من أكثر النوبليين جدارة بالجائزة. قلت أن القراءة كانت سريعة، والسبب يعود إلى أسلوب مؤلفها الذي ما إن تقرأ حتى يأخذ بتلابيبك، هذا الأسلوب الساحر المتقشف والذي يعتمد في إيجازه على الإيحاء والصور الشعرية المركزة. لاغركفيست ينتمي إلى المدرسة التعبيرية Expressionist  وكل صورة يرسهما من شأنها أن تظل عالقة في عقلك بما تستدعيه من خلجات وأسرار تفضح أغوار النفس البشرية. قلت أيضا أن القراءة لم تكن خفيفة، والسبب يعود إلى موضوعها بالغ الجدية: الإيمان والإلحاد.. والذي لم أقرأ رواية تتناوله من قبله بهذه المهارة والعمق.

باراباس هي تلك الشخصية الإنجيلية التي وردت في هامش قصة صلب المسيح. تقول القصة أن الحاكم الروماني بونتيوس بايلت عندما التقى بالمسيح أشفق عليه وتأكد من سلامة سريرته وأراد أن يطلق سراحه. لم يكن الأمر بهذه السهولة، إذ أن أحبار اليهود أخذوا يرددون أن هذا الشاب كان ينادي بمجيء مملكة الرب كي تحل مكان مملكة القيصر. كيف يمكن لبونتيوس بايلت أن يعفو عن رجل ألصقت به هذه التهمة السياسية الخطرة؟ أراد بايلت أن يرمي بالمسؤولية على عاتق اليهود، وكمحاولة أخيرة؛ عرض عليهم أن يستغلوا فرصة "عيد الجمعة الكبير" كي يختاروا العفو عن أحد السجينين اللذين سيُمضى بأحدهما إلى هضبة الجلجلة كي يُصلب. السجين الأول كان عيسى المسيح، والثاني باراباس. نعم، باراباس؛ المجرم القاتل، ذو الندبة الطويلة والروح المشوهة. وكانت المفاجأة؛ فاختارت اليهود باراباس، ليمضي إلى حال سبيله، وليصلب المسيح، كما في القصة الإنجيلية.


بار لاغركفيست اختار شخصية باراباس هذه كي تكون بطله الذي سيمضي به في رحلته الروحية الطويلة من أورشليم إلى روما. تبدأ القصة بمشهد باراباس وهو يتأمل الرجل النحيل المصلوب مكانه فوق الجلجلة، وستنتهي على المصالب التي أقامها نيرون للمسيحيين في روما بعد أن اتهمهم بالسعي لحرقها. كيف يجدر بي أن أتحدث عن هذه الرواية القصيرة ذات الصفحات المئة والأربعين؟ سأركز على ثلاثة مشاهد مفصلية: الأول هو أكثر الحوادث تعبيرا عن شخصية باراباس، الثاني هو أكثرها تعبيرا عن مخاوفه وبحثه الروحي، والثالث هو ذاك الذي تبلغ فيه الأحداث ذروتها. كما أسلفنا، بار لاغركفيست مؤلف تعبيري، ولذا الأجدى التوقف عند هذه المشاهد الموحية واستناطقها ما أمكن. 

المشهد الذي يعبر عن شخصية باراباس هو ذاك الذي يرد في نصف الرواية الثاني، عندما يقع باراباس أسيرا في يد الرومان، ليعمل في مناجم تحت الأرض. هناك التقى بساهاك، الرجل الذي يخفي إيمانه بالمسيح، وعندما توطدت الصداقة بين الرجلين باح ساهاك بسره إلى صديقه، وأراه القرص الذي يرتديه في قلادة حول عنقه، وقد نقش على ظهره اسم السيد المسيح (إيسوس كريستوس) بدلا من اسم القيصر. ولأن قصة باراباس بكاملها هي قصة ذاك الرجل الذي يريد من أعماق قلبه أن يؤمن إلا أنه عاجز عن الإيمان بدون قناعة حقيقة، عندها يطلب من ساهاك أن ينقش اسم المسيح أيضا على ظهر قرصه. وعندما يفتضح أمرهما ويشي بهما أحد الجواسيس، تحدث تلك المحاورة الرائعة بين الحاكم الروماني المحلي وباراباس: 
- أنت لا تؤمن؟ لمَ إذا تحمل اسمه على قرصك؟ أليس هو إلهك؟ أليس هذا ما يشي به النقش؟
- أنا بلا إله
- لكن لا أفهم. لمَ، إذا تحمل هذا "اليسوع المسيح" منقوشة على قرصك؟
- لأني أريد أن أؤمن.
هذا إذن باراباس، إنها شخصية الملحد الذي يريد من أعماق قلبه أن يؤمن، غير أن صرامته العقلية وصدقه القاسي مع نفسه، يجعلانه يرفض أن يفعل دون اقتناع كامل. لكن ما الذي جعل باراباس يتلهف إلى الإيمان؟ ما الذي جعل هذا المراقب الصامت لجموع المسيحيين يحاول الاقتراب منهم ومن ديانتهم؟ لقد كانت حاجته للإيمان تدور على مستويين، وحول هذين المستويين بما يدور بينهما من تجاذب وشد تدور كل القصة: كان يحتاج الإيمان كمنظومة تقدم إجابات على أسئلته الميتافيزيقية، وكان يحتاج الإيمان أيضا كرابطة روحية تربطه ببشر آخرين، ببشر يعيشون متآخين في هذا الزمن المتوحش.

المشهد المفصلي في الرواية والذي يعبر عن رحلة باراباس الروحية هو مشهد لقائه بلعازر، الرجل الذي أعاده عيسى المسيح إلى الحياة. منذ حدثت تلك المعجزة، وحتى بعد أن صلب المسيح ورفع، أصبح لعازر قبلة لكل أولئك المتشككين، حيث يأخذهم الحواريون لمقابلة لعازر، والذي ما إن يقص عليهم ما جرى ويؤكد لهم ما يُروى عنه حتى يهرع أكثرهم إلى الإيمان. لكن ليس باراباس! عندما التقى الأخير بلعازر، سأله لعازر ماذا يريد أن يعرف، فكانت المفاجأة عندما سأله باراباس عن العالم الآخر، مملكة الموتى، كيف كانت وبماذا أحس؟ السؤال أربك لعازر وأثار حنقه. هذا الرجل لم يأت ليستمع إلى المعجزة وإنما كي يسأل مملكة الموت! لم يسبق أن سئل لازارس مثل هذا السؤال. 
- لم أجرب شيئا. كنت مجرد ميت. والموت لا شيء.
- لا شيء؟
- لا. ماذا يجب أن يكون؟ أتقصد أنك تريد مني أن أخبرك عن مملكة الموتى؟ لا أستطيع. مملكة الموتى ليست أي شيء. إنها موجودة، لكنها موجودة بصفتها لاشيء.
بعد هذا المشهد، وعلى طول الرواية، سوف يتصارع باراباس مع فكرة العدم الذي ينتظره بعد الموت، وبدل أن يلقى فيها راحة روحية على الطريقة الأبيقورية (حيث تنتشر الذرات في العماء بعد الموت) تصبح هذه الفكرة مصدر فزع لديه.

أما المشهد الثالث -المشهد الذروة- فهو قصة ضياع باراباس في متاهات القبور في آخر الرواية. كان لزاما عليه أن يجد نفسه تائها فعليا بين الأموات والجثث كي يتحول هذا الوضع المادي إلى تشبيه معنوي metaphor سيحمله باراباس إلى أقصى تعبيراته ليجده منطبقا على جميع مراحل حياته؛ نعم إن روحه ضائعة، ميتة، إنه تائه، ووحيد! لقد أصابه هذا اليقين المفاجيء بالذعر، وأحس بحاجة ملحة للانضواء تحت راية المسيح والإيمان به. ها هنا تجاذب حاد -كما قلنا سابقا- بين حاجته للإيمان كي يتخلص من الوحدة، وحاجته للإيمان الميتافيزيقي ذي الأجوبة. ولذا يؤمن باراباس بطريقته الخاصة، فرسالة الرحمة المسيحية لا تصلح لهذا العالم الفاسد المتوحش، وهكذا يجب أن يشعل النيران مع المخربين كي يمهد الطريق لعصر المسيح ويسوي هذا العالم الفاسد بالأرض.

الخاتمة التراجيدية في باراباس هي أنه لم يتم رفضه من قبل الإله، بل من قبل المؤمنين أنفسهم. إنه الرجل الذي تنكر للمسيح وشَطب اسمه من على قرصه كي ينجو، ولذا تنكروا له. ولكن، أليست المسيحية هي دين الرحمة، ألا يوجد شيء يثير الشفقة في هذا الشخص الضعيف الذي يريد من أعماق قلبه أن يؤمن؟ إخفاق باراباس للوصول إلى الإيمان أدى به إلى هذه الخاتمة التراجيدية والمنطقية معا: فبينما سيق المسيحيون أزواجا إلى الصلبان، ها هو باراباس في نهاية الرواية يُقاد وحيدا خائفا إلى موته. لقد رفض الإيمان كإجابة ميتافيزيقية ترضي عقله، وهكذا رفضه الإيمان كرابطة روحية ومصدر عزاء ضد الوحدة و الخوف.

لا ندري في آخر عبارة له، عندما قال: "إليك أسلم روحي" .. هل كان يخاطب الله أم العدم؟ كيف مات باراباس؟ مؤمنا أم ملحدا؟ إنه سؤال الرواية الأهم، وهو ما سيجعلها عالقة لشهور في عقلك. أكاد أزعم أن هذا هو أفضل توظيف قرأته لخاصية التعمية والإغماض في النهايات. هناك حدس داخلي يميل إلى أن باراباس مات ملحدا، وخصوصا أن المؤلف ملحد أيضا. إذن ها هو باراباس -لأول مرة- يسلم نفسه بارتياح إلى العدم. كيف حصل هذا؟ وهو الذي قضى حياته يجاهد فكرة العدم الذي ينتظره بعد الموت؟ لقد كان تعبا، ولم يعد يطيق ولا يفهم تعب هذه الحياة ووحشيتها، وهو ما قد يفسر العبارة الأخيرة التي تكاد تسمع فيها نغمة صوفية منتشية قبل أن يلفظ نفسه الأخير!

يُحسب للرواية أمانتها القاسية في تصوير الجانب الأخلاقي والوحشي للإنسان. هي تمتليء بمشاهد تقشعر لها الأبدان من ممارسات لا تتوقف عند لامبالاة الإنسان وحسب، وإنما تظهر تلذذه وحيوانيته وهو يرى غيره يتعذب ويُسحل ويُصلب. هذه الممارسات ليست محصورة على طائفة واحدة في الرواية، بل نجد المسيحيين أنفسهم -وهم الذين يتعرضون للمطاردة والتعذيب في تلك الحقبة- لا يتورعون عن تكشير أنيابهم كلما سنحت فرصة. على نفس الخط نجد باراباس الملحد يقوم أحيانا بأعمال أخلاقية أو إيمانية لا يفهمها، كحمله جثة الفتاة ذات الشفة المشرومة كي يدفنها جانب وليدها المجهض.

هنا تظهر عبقرية المؤلف في أبهى صورها. فرغم أن باراباس يؤمن أن دفن الفتاة ذات الشفة المشرومة بجانب طفلها لا يجدي بعد أن انتقلت روحها إلى العدم إلا أنه يفعل ويقطع الأميال الشاسعة بالجثة الممزقة كي يؤدي هذا الفعل الطقوسي. وكذا أيضا تلوح عبقرية المؤلف حين يحكي لنا بخبث قصة والدة باراباس ولعنتها التي أطلقتها عليه بعد ولادته وكأنه يريد أن يدفعنا إلى أن نؤمن أن هذه اللعنة كانت سببا في شقائه. بهذه الطريقة يلمس المؤلف جوانب خفية للإيمان ويؤكد على ضرورته من أجل السعادة وسد فجوات الفهم.

يُحسب للرواية أيضا تصويرها الدين وهو في مرحلة التكوّن، حين نرى القديس بطرس -بعد صلب المسيح بيوم- وهو يستند حائرا متخبطا على الجدار، يحاول أن يفهم وأن يجيب أسئلة باراباس دون أن يملك إجابة واضحة. ونرى أيضا أتباع المسيح والحواريين وهم يتناقلون الشائعات ويناقشون أسئلة جديدة حول هوية المسيح وحقيقة صلبه وقيامته. الرواية تتطلب بعض المعرفة بالقصة المسيحية، إذ أن المؤلف لا يسمي الشخصيات الرئيسية التي نلقاها في محطات الرواية كبطرس ولعازر.

أن تتناول كل هذه الثيمات وتعالج بحصافة موضوعا ثقيلا مثل الإيمان والإلحاد في مئة وأربعين صفحة، تلك لعمري العبقرية ذاتها. يجدر بالذكر أنا "باراباس" هي واحدة من أربع روايات كتبها بار لاغركيفست في موضوع الإيمان. هذه الروايات على التوالي هي: باراباس Barabbas، الكاهنة the Sibyl، موت أهازيروس Death of Ahasuerus، وحاج في البحر Pilgrim at Sea.

الجمعة، 16 أغسطس، 2013

جثة أمام منزل جوته



في إحدى صباحات كانون الثاني الباردة 1778 م أفاق الشاعر فيلهلم فون جوته ليراع بجثة فتاة تم انتشالها من نهر إيلم بعد أن انتحرت أمام منزله. حادثة مرعبة، من شأنها أن تبعث القشعريرة في جسد الشاعر الشاب، وخصوصا أن الفتاة البالغة من العمر ثمان وعشرين سنة كانت معروفة؛ كريستيانا فون لاسبيرج، ابنة أحد ضباط فايمار، و من آنسات البلاط. لكن ما زلزل قلب الشاعر وجعل للحادثة وقعا جسيما في نفسه هو أن الجثة الباردة كانت تحتفظ في ثيابها بنسخة من روايته سيئة الذكر (آلام الشاب فيرتر).

كان جوته في أوج شبابه، يبلغ التاسعة والعشرين من عمره، انتقل من فرانكفورت إلى مقاطعة فايمار بدعوة من أميرها كارل أغسطس ليعمل مستشارا عنده. قبلها بأربع سنوات نشر جوته روايته (آلام الشاب فيرتر) فحققت نجاحا مدويا، وقفزت بمؤلفها الشاب إلى عالم الشهرة، لكن مسيرتها الناجحة تلطخت بحوادث الانتحار التي ارتفعت بعد صدور الرواية. كانت تلك المرة الأولى التي يُكتب فيها عن الانتحار بهذه الطريقة الممجدة المنتشية، وهو ما سيصبح تقليدا في الأدب الرومانسي الذي يحتفي بالموت كقفزة نحو المطلق (سيشهد ذلك أعنف تمثل له في شخص الأديب العبقري والمخبول هينريخ فون كلايست الذي قتل صديقته المصابة بداء عضال ثم أفرغ رصاصة في جمجته على ضفاف بحيرة). تحكي (آلام الشاب فيرتر) قصة عاشق شاب يقع في غرام لوته، زوجة صديقه، وعندما يجد نفسه أمام جدار مغلق لا يستطيع أن ينال الوصل ولا أن يخون صديقه ينتحر كحل لمشكلته. انهالت اعتراضات النقاد والمصلحين الأخلاقيين على جوته قائلين أن روايته تشجع على الانتحار، لكن الشاعر الشاب –الذي اعتمد على تفاصيل عديدة من حياته في كتابتها- كان يجيب بعناد: "ليس صحيحا، أنا أكبر دليل على أنها لا تشجع على الانتحار. مجرد حقيقة أني كتبتها وعشت بعد ذلك شهادة على انتصار الانسان عندما يحول الألم إلى فن."

ولكن، كيف له أن يتصالح مع الألم وشعور الذنب والجثة الباردة ملقاة الآن أمام منزله وتمسك بكتابه؟ ترى، هل أحس سالينجر بنفس شعور الذنب عندما سمع أن قاتل جون لينون كان يمسك بروايته (الحارس في حقل الشوفان)؟ هل أحس كوبريك بنفس الشعور عندما أشعل فيلمه (الساعة البرتقالية) موجة من العنف تشبه ما جاء في الفيلم؟ هل أحس الموسيقار ريزو سيريس بنفس الشعور عندما أثارت أغنيته (الأحد الكئيب) موجات من الانتحار؟ لا بالطبع، فالضحايا في الحالات السابقة لا تعدو أن تكون أسماء بعيدة بلا معنى، أما في حالة جوته فهي جثة باردة حاضرة أمام منزله، وذكرى يستطيع أن يمنحها وجها وصوتا. كان من شأن مثل هذه الحادثة أن تدفع أي فنان إلى الاضطراب أو الشك في فنه، عدا جوته، فهذا الرجل الصارم ليس رجل انفعالات كهولدرلن وكلايست ونوفاليس، وإنما هو رجل عقلاني مفرط في عقلانيته، تصل به العقلانية حدود الأنانية الباردة، إنه التجسد الأمثل لعصر الأنوار، وهي المفارقة الكبرى، أن يكون هذا الرجل معبود الرومانسيين، قدوتهم وعدوهم في نفس الوقت، هذا الرجل الذي يؤمن حد الهوس بأولوية العقل النوراني.

قوة جوته –حسب مترجمه ديفيد لوك- تكمن في طبيعته البروتيانية Protean gift  (نسبة لإله التحولات بروتيس). هذا الرجل الألماني الصلب الذي يقطر شعره عذوبة ونغما كان يؤمن بقدرته على الانبعاث من جديد، كان يحول كل تجربة مصيرية أو تافهة إلى مناسبة يطرح فيها جلده القديم لينبعث متوهجا متجددا. هذه التجارب قد تكون علاقات غرامية، سفر إلى إيطاليا، التقاء بصديق من طراز هيردر وشيللر، موت قريب أو قريبة. إنه يحول كل تجربة مثل هذه إلى مناسبة للانبعاث والولادة بقدرات جديدة وشباب غض. ما السر إذن في قدرة هذا الرجل العجيبة على الانتاج -بدون كلل- خلال سنين حياته الثلاثة والثمانين؟ لا أعرف فنانا آخر استطاع أن ينتقل بمهارة من السوناتة إلى البكائية، ومن الهيكساميتر إلى التيرزا ريما، ومن الشعر إلى الرواية، ومن الرواية إلى المسرحية، بهذه المهارة وهذا الاتقان مثل جوته. ذهب إلى المسرح فأنتج (فاوست). ذهب إلى الرواية فأنتج (فيلهلم مايستر) و(تجاذبات اختيارية). لكنه يظل –وهكذا يجب أن يُعرف- شاعرا. لا تعرف اللغة الألمانية شاعرا طوع مفرداتها الخشنة لتصبح نغما وموسيقى مثل جوته. ولا أظن أن هناك شاعر له هذا العدد من القصائد التي حولت أغان مثل جوته (هينريخ هاينه قد يكون المنافس الوحيد).

وهكذا، حوّل جوته هذه الحادثة المرتبطة بالألم والذنب إلى مناسبة لصنع قصيدة. نهر إيلم لا يزال يتدفق بخريره العذب أمام منزله. إنه البقعة المفضلة لديه كي يتجول ليلا ويتطهر أحيانا من متاعبه وسط مائه. ها هو البدر يملأ السماء ويغمر الحقول بنوره الفضيّ. ها هي الأجمات والأحراش تطقطق أوراقها وهو يسير بقدمه المثقلة فوقها. كيف سيحرر هذه الأماكن المحببة من الشبح العالق والذكرى المرة؟ جواب جوته بسيط: اجعل لها صوتا! وهكذا، بدل أن ترتبط هذه الأمكان بالجثة الباردة تصبح مرتبطة بقصيدة، ويتحول الألم والذنب إلى موسيقى ونغم.

قصيدة (إلى القمر) An Den Mond  من أعذب قصائد جوته وأشهرها، وهي من القصائد التي حولها الموسيقار شوبير إلى أغنية لاحقا. فريتز –ابن عشيقة جوته شارلوت- هو أول من اقترح أن القصيدة كتبها جوته عن كريستيانا فون لاسبيرج؛ الفتاة التي وجدت منتحرة أمام منزله. يضعف بعض النقاد والمؤرخون من هذا الاحتمال، لكني لم أستطع أن أتخلص منه بعد أن قرأته، لقد اكتسبت القصيدة الآن معنى جديدا، حزينا وغنيا. لا يساعد الموضوع أن هناك أكثر من نسخة للقصيدة، وأن جوته اشتغل عليها تنقيحا وزيادة حتى كادت أن تختفي ملامح الجثة لتصبح قصيدة تتحدث عن آلام شاب خانته عشيقته وهو يمشي متمهلا تحت ضوء القمر. لكن هل استطاع حقا التخلص من صوت كريستيانا فون لاسبيرج؟ إني أستطيع أن أسمعها في كل بيت من القصيدة وهي تغني بصوتها الحزين وقد تحررت روحها أخيرا تحت ضوء القمر.




إلى القمر

تملأ الأجمة والوادي
بوهجك السديمي الخافت.
أخيرا ستُحرِر
يا قمرُ كاملَ روحي.

ها أنت تنشرُ نظرتك
بحنانٍ فوق الحقول.
كما يلامس صديق
بنظراته قدري.

قلبي يستشعر صدى
الأيام الجميلة والمرة.
أتهادى في وحدتي
بين بهجة وحسرة.

تدفق، تدفق، حبيبي النهر،
أنا لن أغدوَ سعيدا.
ذهبت معك القُبل
والوفاء، والبهجة.

لكني مرةً ملكته
ذاك الثمين حقاً.
سأقاسي يقينَ أني
لن أنساهُ دوماً.

دمدم يا نهر، وسط الوادي،
دمدم دون توقف.
دمدم واهمس بأغنيتي
اعطها لحنا.

حينما يفيضُ ماؤك
في ليالي الشتاء
أو تنمو فوق ضفافِك
زهور الربيع.

مباركٌ هو من يعتزلُ
العالم دون أن يكره.
يضمُ إلى صدره صديقا
ومعه يتذوق؛

ذاك الذي لم يُعرف،
ولم يخطر بعقل.
يذرع متاهاتِ الروح
وسط الليل.


ترجمة: عدي الحربش



الاثنين، 10 يونيو، 2013

هيرمان هسه يحاكم كتبه


قبل أسبوع، تحدثت والصديق ممدوح عن موضوع طريف -لا أظن أنه طرق كفاية- وهو "محاكمة الكتب". هل الكتب أيضا تحاكم؟ بكل تأكيد، و أظن أن صفحات الأدب والنقد والتاريخ تمتليء بشواهد من هذا القبيل. عندما أردت أن أوضح لصديقي ما أعنيه بمحاكمة الكتب قلت محاولا أن أضع تعريفا: "لا أعني بمحاكمة الكتب اتخاذ رأي نقدي منها، إذ أن فعل المحاكمة حدث جديّ له تبعاته، وهو ينتهي بقرار مصيري بحق الكتاب؛ فإما الصفح والإبقاء على الكتاب، أو الإتلاف والنفي إلى مكان بعيد في أهون الحالات."

قلت بأن صفحات الأدب تمتليء بشواهد من هذا القبيل، ولعل أشهر مثال على الإطلاق هي تلك المحاكمة الشهيرة في الفصل السادس من رواية (دون كيخوته)، عندما رجع الفارس ذو الوجه الحزين -كما يطلق عليه- جريحا مصابا بعد مغامرته الأولى، مما دفع بابنة أخيه وخادمتهم وصديقيه الراهب والحلاق أن يقوموا بمحاكمة علنية تذكر بمحاكم التفتيش للتخلص من هذه الكتب التي أفسدت عقل دون كيخوته. هذا الفصل من أبرع وأطرف ما قرأت في حياتي، فعبر هذا الموقف البارع يستطيع المؤلف سيرفانتس أن يمرر أراءه بخصوص بعض كلاسيكيات الفروسية وبأدباء عصره، فنجد أنه يلقي بأغلبها من النافذة ثم إلى النار لاحقا، ولا تنجو إلا كتب معدودة، أحدها رواية (غالطيا) للمؤلف سيرفانتس نفسه!

عندما أردت أن أقدم شاهدا آخرا على هذه الممارسة ذكرت مقالا طريفا قرأته لهرمان هسه بعنوان (كتب في المحكمة). يذكر هسه أن ظروفه دفعته للتخلي عن جزء من مكتبته (قد تكون ضائقة مالية أو الانتقال إلى مكان لايتسع لكل هذه الكتب). وهكذا يجد نفسه فوق مقعد القاضي وهو يجري تحقيقا ومساءلة لكل رف وكل كتاب في مكتبته. من الواضح أن هسه كان يستحضر دون كيخوته وهو يكتب عن هذه المحاكمة الممتعة. المقالة من أمتع ما قرأت، وهي تعطي نظرة سريعة على ثقافة هيرمان هسه وذوقه وما يفضله من اختيارات. طلب مني الصديق ممدوح أن أترجم المقالة، وها أنا ذا لم أكتب هذه التدوينة إلا لأضع ترجمتي لمقالة هسه.

أحيانا لا يكون القاضي منصفا، وتتحول المحاكمة إلى إجراء صوري تدان فيه الكتب وتحرق من أجل إدانة مؤلفيها. تاريخنا يمتليء بشواهد من هذا القبيل: كتب ابن رشد أحرقت في قرطبة، وكتب لسان الدين بن الخطيب أحرقت في غرناطة، وقد تطال المحرقة أعمالا أخرى غير الكتب كما في محرقة سافونورولا الشهيرة، عندما قام بوتشيلي نفسه برمي لوحاته وسط اللهب تحت وازع من شعور ديني حديث.

محاكمة الكتب أمر شائع جدا ونحن نمارسها أحيانا دون أن ننتبه لها. عندما أردت أن أرجع من كندا إلى وطني، كان عليّ أن أنقل حصيلة سبع سنوات من الكتب، وهو ما ملأ أكثر من عشرين كرتونا. عندما كثرت الكراتين وزاد الوزن منذرا بفاتورة نقل خيالية كان عليّ أن أجري محاكمة سريعة أتخلى فيها عن بعض الكتب التي اشتريتها ثم ندمت على شرائها أو لم تلق مني قبولا بعد تصفحها. حينها تخلصت من روايات يوسا وماركيز ومورافيا وكثير من مؤلفي أمريكا الجنوبية المعاصرين. 

حتى في عملية اقتناء وشراء الكتب، هناك نوع من المحاكمة. عندما أدخل مكتبة أقوم بسرعة بسحب كل كتاب يروق لي غلافه أو عنوانه أو موضوعه. إنها ممارسة قديمة منذ طفولتي كنت أفعلها خوفا من أن يُباع الكتاب الذي أريده إذا غادرته. مع الوقت وتراكم التجربة اكتشفت أن الكتب التي اقتنيها من أقل الكتب شعبية وأقلها شراءا، لكن يظل ذلك الهاجس القديم وتظل تلك العادة الطفولية ملازمة لي لا تغادرني. أطوف بالمكتبة وأسحب كل ما أظن أنه سيعجبني حتى تثقل ذراعي تحت وطأة الكتب، ثم أجلس على كرسي أو دكة أو على الأرض وأبدأ بتصفح ومحاكمة ما سحبت واحدا واحدا، وفي أغلب الأحيان تعود كل تلك الكتب إلى أماكنها دون أن يحظى واحد منها على صك براءة.

والآن أدعكم مع مقالة هيرمان هسه الشيقة عندما حاكم كتبه ذات صباح...




كتب في المحكمة

 اضطررت منذ مدة أن أراجع كتبي مرة أخرى، فلقد أجبرتني الظروف أن أتخلى عن جزء من مكتبتي. و هكذا، إذا بي أقف أمام خزانات المكتبة و أتهادى خطوة خطوة أمام صفوف الكتب محدثا نفسي: "هل تحتاج هذا الكتاب؟ هل تحبه؟ هل أنت متأكد أنك ستقرأه مرة أخرى؟ هل سيؤلمك أن تتخلى عنه؟"

وبما أني أحد أولئك الذين لا يستطيعون التفكير بشكل "تاريخي"، ليس حتى في هذ الأزمان التي غدا فيها التفكير التاريخي في مقدمة الفكر الإنساني، ابتدأت مع الكتب التاريخية و لم ألق كثير عناء معها. طبعات من مذكرات أنيقة، كتب بيوغرافيا إيطالية و فرنسية، تواريخ البلاطات، مذكرات السياسيين؛  فلتذهب بعيدا! هل صادف ولو لمرة واحدة أن كان السياسيون على حق؟ أليس بيتا واحدا من شعر هولدرلن أكثر قيمة من جميع حكمة أولئك المتنفذين؟ فليذهبوا بعيدا!

بعدهم جاء تاريخ الفن. أعمال خلابة من متخصصي اللوحات الإيطالية والألمانية والبلجيكية والإنجليزية، مجلدات فاساري. مختارات من رسائل الفنانين؛ التخلص منها لم يؤلمني كثيرا. فلتذهب بعيداً!

و الآن، الفلاسفة. هل كان ضروريا أن أمتلك قاموس ماذنر؟ لا. أمن الوارد أن أعيد قراءة إدوارد فون هارتمان؟ آهٍ لا. لكن كانط؟ هنا ترددت. يصعب أن أحكم هل سأعيد القراءة أم لن أفعل. وهكذا سمحت له أن يبقى. نيتشه؟ لا غنى عنه، وكذا رسائله. فشنر؟ سيكون فقدا هاما، إذن يبقى. إميرسون؟ دعه يذهب. كيركجارد؟ إنه رجل سوف نتمسك به. شوبنهور فوق السؤال. الأنطولوجيات و المختارات؟ بالتأكيد تبدو جميلة: الروح الجرمانية- كتاب الجيتو- الألمان كما يظهرون في الكاركتير- هل يحتاج المرء أيا منها؟ فلتذهب بعيدا! فلتذهب كلها بعيدا!

والآن، الشعراء. لن أتحدث عن الحداثيين. لكن مراسلات جوته؟ جزء منها قمت برفضه. ماذا عن مجلدات جريلبرازر؟ أيجب التخلي عنها؟ لا، إطلاقا. وكامل مجموعة فون آرنيم؟ آه، لكن ذاك سيؤلمني. إذن يبقى. وكذا تايك، وأيضا فايلاند. هيردر تم التخلص من جزء محترم منه. بلزاك تمت مساءلته، ثم سمح له بالبقاء. أناتول فرانس جعلني أتوقف للتفكير. المرء يتحلى بأخلاق الفروسية تجاه أعدائه؛ سيبقى. ستاندال؟ مجلدات كثيرة، لكن لا غنى عنه. توماس مان؛ فوق السؤال. على صعيد آخر، مايترلينك، تم تشذيبه. أربع نسخ من ديكاميرون بيكاتشيو! واحدة فقط بقيت على الرف. بعدها تأتي رفوف مؤلفي آسيا الشرقية. بضعة أجزاء من لافكاديو هيرن شذبت. كل ما عداه يبقى.

بالنسبة للكتاب الإنجليز أسئلة كثيرة انبثقت. كل هذه المجلدات لبرنارد شو؟ بعضها يجب أن يرحل. كل ثاكري؟ النصف كفاية. أما فيلدنج وستيرن وديكنز فيبقون، حتى كتاباتهم الهامشية وأدبهم الثانوي.

بخصوص الروس الكل بقي تقريبا. مع غوركي وتورجنيف كانت هناك حيرة وتردد. مواعظ تولستوي شذبت بشدة. من بين الإسكندنافيين قليلون نفذوا. هيرمان بانج بقي، هامسون بقي، سترايندبرج بقي. بجورنسون تبخر. جيجرستام اختفى.


بعدها بأيام، بعد أن فرغت من المهمة، اكتشفت كم أن علاقتي بالكتب تغيرت مع السنين كباقي الأشياء. هناك أصناف كاملة من الأدب أستطيع الآن أن أتخلى عنها بثغر باسم. هنالك مؤلفون لم يعد من الممكن أن أتناولهم بجدية. لكن يالها من راحة أن كنوت هامسون ما زال حيا! ياله من حظ جيد أن ياميس ما زال هنا! وكم هو رائع أن خلت الرفوف من كل تلك المجلدات الضخمة عن حيوات الشعراء بمللهم وسيكولوجيتهم البائسة. الغرف تبدو أكثر إشراقا. الكنوز هي ما تبقى وها هي تبدو أكثربريقا. جوته ينتصب هنا، وهلدرلن هنا، كل دوستويفسكي هنا، ومورليك يبتسم، آرنم يغمز باستعراض، والملاحم الآيسلاندية تبقى صامدة في وجه الخطوب. مارتشن والحكايات الفولكلورية تبقى غير قابلة للزوال. و الكتب العتيقة، الكتب ذات الجلد الحيواني والهيئة الثيولوجية، والتي في أغلب الأحيان هي أعز من كل الكتب الجديدة، ما زالت باقية. إنها أشياء لا يمانع المرء –وقد تكون الاستثناء الوحيد- أن تبقى خالدة بعده.

هيرمان هسه
ترجمة: عدي الحربش

الأحد، 19 مايو، 2013

بورخيس كشاعر قبل أن يكون قاصاً




الإسكندرية، 641 بعد الميلاد

منذُ أولِ آدمَ، ذاكَ الذي تلقى الليلَ
و النهارَ و تعرّفَ على شكلِ يدِه
و الرجالُ يختلقونَ القصصَ، و ينقشونَ
على الصخرِ، و المعدنِ، و الأوراقِ
كلُ ما يحويه العالمُ أو تختلقهُ الأحلامُ.
ها هنا ثمرةُ جهدِهم: المكتبة.
يُقالُ أنَّ ثروةَ المجلداتِ التي تحويها
تفوقُ عددَ النجومِ و حباتِ
الرملِ في الصحراء، وأنَّ الرجلَ الذي
يحاولُ قراءتها جميعاً، سوفَ يفقدُ
عقلَهُ، و يفقدُ فائدةَ عينيهِ الجريئتين.
ها هُنا ذاكرةُ القرونِ العظيمةُ
ذاكرة السيوفِ و الأبطالِ،
رموز الحسابِ المُختصرةُ
المعرفةُ التي تتخيلُ الكواكبَ،
و تحكمُ القدرَ، قوى
الأعشابِ، و النقوشاتُ الطلسميةُ،
الشِعرُ الذي يُخلّدُ لمساتِ العشقِ،
العلمُ الذي يفكُ شفرةَ 
المتاهةَ الوحيدةَ لله، الدينُ،
و الخيمياءُ التي تطمحُ إلى تحويلِ الصلصالِ ذهباً
و كلُ رموزِ الوثنيةِ.
يقولُ الكافرونَ أنها لو احترقتْ
فسيحترقُ التاريخَ معَها، هم مخطئون.
عملُ البشرِ غير المتوقفِ أثمرَ عن هذه 
اللانهايةِ من الكتبِ. و لو أنها كلها
لم يبقَ منها أيّ كتابٍ، لاستطاعَ الانسانُ
أن يتلقى كلَ صفحةٍ منها و كلَ سطر،
كلَ عملٍ، و كل عشقٍ لهرقلَ
و كلَ درسٍ في كلِ مسوّدة.
في القرنِ الأولِ من الهجرة
أنا، عمرُ الذي أخضعَ الفرسَ
و الذي فرضَ الإسلامَ على طولِ الأرضِ
آمرُ جنودي أن يحرقوا
بالنارِ تلك المكتبةِ الغزيرة
التي لن تفنى. كلُ الحمدِ مذخورٌ
للهِ الذي لا ينامُ، و الصلاةُ على الرسولِ محمد.



هذه القصيدة كانت بمثابة لكمةٍ في معدتي، إذ أنّ دخول "عمر بن الخطاب" المتأخر كمتحدثٍ في القصيدة، غيّر سياقها و رمزيتها لتجعلها أكثر خصوصية بالنسبة إليّ كقارئ عربي.

هنا يعالج بورخيس ثيمة "المكتبة كلانهاية" التي سبق أن عالجها في "مكتبة بابل"، و التي هي إحدى ثيماته المفضلة. بورخيس هو المكتباتي الأشهر، و لا أعرف أحداً عشق الكتب أكثر منه أو من الجاحظ. الجاحظ توفي في الأخير تحت كتبه، أما بورخيس فلقد أفقدته بصره. لهذا السبب، يقول بورخيس في القصيدة، ملمّحا إلى نفسه: "و أن الرجل الذي يحاول قراءتها جميعاً، سوف يفقد عقله، و يفقد فائدة عينيه الجريئتين".

هذا العاشق الأبدي للمكتبة لا يملك إلا أن يتوجع و هو يقرأ عن مصير المكتبات الأسطورية التي أحرقت أو أتلفت. مكتبة الأسكندرية هي إحدى أشهر هذه المكتبات، و رغم أن الرواية التي تزعم أن المكتبة أحرقت على يد عمرو بن العاص ضعيفة، إلا أن بورخيس يوردها، و يستعير الخليفة عمر بن الخطاب كلسانٍ متحدث في القصيدة.

و لكنه بدل أن يدين عمر، ينطقه بتلك الحقيقة الحكيمة الغائصة في سرّ المكتبة، التي تزعمُ أنّ بإمكان الانسان أن يتلقى و يُعيد كتابة كل حرفٍ و كل معرفة و كل فكرة، و بهذا تصبح اللانهاية دائرية، و يتحول اليأس أملاً، و الفقد إيماناً.

..


إلى قطعة نقد

باردةٌ و عاصفة، تلكَ الليلةُ التي أبحرتُ فيها من "مونتفيديو".
و أثناءَ دوراننا حولَ "سيرو"،
رميتُ من مقدمةِ السفينةِ
قطعةَ نقدٍ معدنية، لمعتْ و غمزتْ وسطَ المياهِ العكرة،
وميضَ ضوءٍ ابتلعهُ الوقتُ و الظلمة.
أحسستُ أني ارتكبتُ عملاً غيرَ قابلٍ للنقضِ،
مُضيفاً إلى تاريخِ الكوكبِ
سلسلتينِ غيرِ نهائيتينِ، متوازيتين، يُحتملُ أنهما أبديتانِ:
قدري الخاص، مصنوعاً من قلقي، عشقي، و انزعاجاتي العقيمة
و قدرَ تلك الدائرة المعدنية
محمولةً بعيداً بواسطةِ الماءِ إلى الأعماقِ الهادئة
أو إلى بحارٍ قصيّة لا تزالُ تعبثُ
بمخلفاتِ الساكسون و الفايكنج.
كل لحظةٍ تخصني، نائماً أو يقضاناً، 
توازي لحظةً تخصُ القطعةَ النقديةَ العمياء.
أحياناً أشعرُ بالشفقة،
و أحياناً أخرى، بالحقدِ
تجاهكِ، يا مَن تتواجدين، مثلَنا، وسطَ الوقتِ و متاهاته،
و لكن دونِ أن تدركي ذلك.



في هذه القصيدة، يلعب بورخيس مجدداً على ثيمة اللانهاية، و لكنه يربطها بثيمة أخرى هي الوعي و الوجودية. تختلف الأسباب التي تدفعني إلى اختيار قصيدة بالذات و من ثم ترجمتها، و هي تتراوح ما بين فرادة الفكرة أو جمال التصوير. هذه القصيدة تبدأ بمنظرٍ تصويري جميل، أستطيع أن أرى من خلاله بورخيس و هو يقف في مقدمة سفينة، و يطل وسط الليلة الباردة إلى الأسفل، باتجاه المحيط، و من ثم يرمي في أعماق العباب قطعة النقد.


مَن مِنّا لم تخطر بباله تلك الفكرة: أن يتركَ شيئاً ينتمي إليه في المكان الذي يغادره. إنها طريقة واهمة تحاول اصطناع الخلود، و رغم أن بورخيس قام بها و هو يغادر مونتفيديو، إلاّ أنه سرعان ما شعر بالندم بسبب إدراكه لعاقبة الفعل الذي جناه.

أنه يتخيل قطعة النقد و هي تهوي دائرةً في أعماق المحيط، ثم يتخيل السلسلة غير النهائية من القدر الذي سيترتب على رميه لهذه القطعة. إنه يوازي ما بين قدره و قدر القطعة المعدنية الغائصة في المحيط، حيث يتشابهان في لانهائيتهما، و لكنهما يختلفان في الإدراك و الوعي، فهو مُدرك لوجوده، بعكس القطعة المعدنية، و هذه هي لعنة الجنس البشري، و الصليب المحمول فوق ظهورهم.

..


السعادة

أياً كانَ من يحتضنُ امرأةً فهوَ آدمُ، و المرأةُ حواءُ.
كلُ شئٍ يحدثُ للمرةِ الأولى.
أنا رأيتُ شيئاً أبيضَ في السماء. أخبروني أنهُ القمرُ، و لكن
ماذا يمكنني أن أفعلَ بكلمةٍ و أسطورة.
الأشجارُ تخيفني قليلاً. يا لجمالهنّ.
الحيواناتُ الوديعةُ تقتربُ مني كي أخبرَها بأسمائها.
الكتبُ في المكتبةِ لا تمتلكُ حروفاً. بل تنبثقُ عندما 
أفتحهنّ.
أتصفحُ الأطلسَ فينبعثُ شكلَ سومطرا.
أياً كانَ من يُشعلُ ثقاباً وسطَ الظلمةِ، هوَ من اختلقَ النارَ.
داخلَ المرآةِ هناكَ آخرٌ يتربص.
أياً كانَ من حدّق في المحيط، هو سيرى إنجلترا.
أنا حلِمتُ بقرطاجة، و بالكتائبِ التي دمرت قرطاجة.
أنا حلمتُ بالسيفِ و بالميزان.
مباركٌ هو العشقُ الذي لا يوجدُ فيهِ مالكٌ أو مملوك، و إنما
إثنانِ مسلّمان.
مباركٌ هو الكابوسُ الذي يُظهِرُ لنا
أنّ بمقدورِنا اختلاقَ جهنّم.
أياً كانَ من يقصدُ نهراً، هوَ يقصدُ الجانجي
أياً كانَ من تطلعَ في ساعةِ الرملِ،هو يرى انحلال إمبراطورية
أياً كانَ من يلعبُ بخنجرٍ، هوَ يخبرُ مُسبقاً بمقتلِ قيصر.
أياً كانَ من يحلمُ، هو الإنسان الحيّ.
وسطَ الصحراء، رأيتُ أبا الهولِ صغيراً، منحوتاً للتوّ.
لا يوجدُ شيئ أقدمَ تحتَ الشمس.
كلُ شئٍ يحصلُ للمرةِ الأولى، و لكن بطريقةٍ أبدية.
أياً كانَ من يقرأُ كلماتي، هو يختلقها بنفسِه.


في هذه القصيدة، يعالج بورخيس عدة ثيمات حداثية مولعٌ بها، منها اللغة و الاسماء، الأبدية و الأبستمولوجيا، و أهمية القارئ كخالقٍ للنصّ. بورخيس مُولعٌ بالميتافيزيقيا، و بالأخص ميتافيزيقيا المعرفة، الإبستمولوجيا، التجاذب المستمر ما بين المدرسة العقلية الفرنسية و المدرسة التجريبية الإنجليزية. هل وجودنا ماديّ أم عقلي؟ هل عندما أرى الشئ يكتسبُ وجوداً لأنني رأيته، أم أنه موجودٌ قبلاً؟ هذه القصيدة تنويعة على هذا الموضوع.



و لأن فضاء اللغة يشبه فضاء الواقع، يكتسب القارئ المركزية التي يكتسبها الفرد المفكر. عندما تفتح الأطلس أنتَ تسلّطُ شكل سومطرا على الخريطة، عندما ترى أبا الهول أنتَ تصنعه للمرة الأولى، حتى قصيدة بورخيس تتبرأ من مؤلفها لتصبح صنع القارئ. 

لهذا السبب اختار بورخيس عنوان "السعادة" لقصيدته.. لأنّ نشوة القراءة تشبه نشوة الخلق تماماً، إذ أن كل الأشياء تحدث للمرة الأولى، لكن بشكلٍ أبديّ!

..




الغولِم

لو أنّ الاسمَ (كما يزعمُ الإغريقيُ في الكراتيلو)
عبارةٌ عن هيكلِ الشيء،
إذن لكانت الوردةُ في الحروفِ التي تتهجى "الوردةَ"،
و لتدفقَ كلُ النيلِ في كلمةِ "النيل".

و لذا، باجتماعِ حروفٍ صائتةٍٍ و صامتة،
قد يتشكلُ اسمٌ رهيب، 
يحملُ في شفرتهِ كُنهَ اللهِ، قدرتَه المتعالية،
مخفيةً وسطَ حروفٍ و أصوات.

آدمُ و النجومُ كانوا يعرفونهُ في الحديقة.
لطخةُ الإثمِ أزالتهُ
(كما تزعمُ طائفةُ الكابالا)
و بعدَ ذلكَ فقدتهُ الأجيال.

دهاءُ و خلوصُ الإنسانِ 
ليسَ لهما حدٌّ. نعلمُ أنَّ شعبَ اللهِ المختارَ 
بحثوا عن الاسمِ، و هم يُمضونَ
ساعاتِ الليلِ المتأخرةَ معتكفينَ وسطَ أحيائهم.

بخلافِ أولئكَ الذين تتلاشى ظلالُهم
في هُلامِ التاريخ،
تبقى ذكراهُ يانعةً و حيّة،
(يهوذا ليون)، رابي براغ.

وسطَ غمرةِ عطشهِ كي يعرفَ ما يعرفهُ الربُ،
(يهوذا ليون) أخذَ ينظمُ حروفَ الأبجديةِ
في تركيباتٍ مُعقدةٍ، حتى استطاعَ في النهايةِ
أن ينطقَ الاسمَ الذي كانَ هوَ المفتاح،

هوَ الباب، هوَ الصدى، المُضيف و القصر،
فوقَ دميةٍ شكلتها يداهُ الخرقاوان،
أخذَ يلقنُها العلومَ السرّيةَ الخاصةَ
بالرموزِ و الحروف، بالزمانِ و المكان.

الدميةُ رفعتْ حاجبيها الناعسين،
و لدهشتها، رأتْ أشكالاً و ألواناً تطفو
في عالمٍ من الأصوات، و بعدَ ذلك 
اجترأتْ خطوةً مترددةً فزِعة.

تدريجياً (و كما هوَ حالُنا) 
أصبحتْ الدميةُ سجينةً للشبكةِ المتذبذبةِ
لِـ قبل، بعدَ، أمسِ، أثناءَ، الآنَ، 
يمين، شمال، أنا، أنتَ، هم، الآخرون.

يهوديّ الكابالا الذي صنعَ هذا الإغماضَ
أطلقَ عليهِ اسمَ (الغولم)
(هذه الحقائقُ تُروى عن شولم
في إحدى المقاطعِ الحكيمةِ من مجلدِه)

الرابي اليهودي شرحَ للغولم أسرارَ الكون،
"هذه قدمي، هذه قدمُك، و هذا حبلٌ،"
تمرُ أعوامٌ و الغولم لم يتعلمْ 
من الرابي سوى أن يكنسَ السيناغوغ.

ربما الاسمُ المقدسُ نُطقََ خطأً
أو ربما كان نطقهُ خافتاً أو مُستعجلاً.
السحرُ القويّ لم يعطِ أبداً مفعولَهُ:
تلميذُ الانسانِ لم يتعلمْ أبداً النطق.

عيناهُ أقربُ للكلبِ من الانسان
بل أقربُ للشيءِ من الكلب،
بواسطتهما صارَ يلاحقُ كل حركةٍ يقومُ بها الرابي
في معتكفهِ المتجهمِ المظلم.

شيء فظٌ و غيرُ طبيعي كان في الغولم،
إذْ أنَّ قطة الرابي، بمجردِ أن تراهُ يتحركُ 
تهربُ مذعورةً و تختبئ (ليسَ هناكَ قطةٌ في مجلدِ شولم
و لكني اصطنعتُ واحدةً من وراءِ خليجِ الوقت.)

رافعاً يديه المضطربتين نحوَ إلهِه،
أخذ الغولمَ يقلدُ صلواتِ سيدهِ –حتى أتفهها-
أو بابتسامةٍ بلهاء ينحني كلياً
في سلاماتٍ مُحدودبة، كما يفعلُ الرجالُ في الشرق.

الرابي تأملَ مخلوقَهُ في حنانٍ مشوبٍ بالهلع
أخذَ يتساءلُ: "كيفَ أمكنني أن أحضرَ هذا المخلوقَ
المسكين في هذا العالمِ؟ كانَ من الأفضلِ
أن لا أعملَ شيئاً،

ما الذي دفعني كي أضيفَ إلى السلسلةِ غير النهائيةِ للرموزِ 
رمزاً آخراً؟ 
أن أضيفَ إلى خيطِ المغزلِ و هوَ ينحلُ بلا نهايةٍ
سبباً و نتيجةً؟"

في ساعاتِ عذابهِ و اضطرابِ نورِه،
تتوقفُ عيناهُ و تسرحانِ فوقَِ الغولم.
من ذا يخبرنا عن ما يجولُ في خاطرِ الله
و هو يتأملُ من أعلى عذاباتِ الرابي؟



قصيدة الغولم El Golem من أجمل قصائد بورخيس كافة، و هي تتشابه في موضوعها و نهايتها مع قصة بورخيس الشهيرة: الأطلال الدائرية The circular ruins. في الأطلال الدائرية، يقومُ أحد السحرة بالاعتكاف في أطلال دائرية الشكل (حيث الدائرة تدل على اللانهاية)، و أثناء اعتكافه، يقوم بالتركيز على خلق كائن من حلمه. بعد إخفاقات متكررة ينجح الخلق، إلا أن الساحر يخشى أن يهتدي ابنه المخلوق إلى سره (أنه لا يعدو أن يكون حلمَ شخصٍ آخر). في نهاية القصة، يقوم الساحر برمي نفسه في النار منتحراً، ليتفاجأ بأن النار لا تمسه بضرّ، و حينها يكتشف في هلعٍ أنه هو أيضاً حلمُ شخصٍ آخر.


يقولُ بورخيس في مقدمة مجموعته الشعرية التي تحوي قصيدة الغولم: "في إحدى المرات، و بينما كنتُ أزور لوبوك في تكساس، و على طرف الصحراء، سألتني شابة طويلة القامة إذا ما كانت قصيدة (الغولم) لا تعدو أن تكون مجرد تنويعة للقصة القصيرة (الأطلال الدائرية). أجبتها بأنهُ كان عليّ أن أعبرَ قارةً كاملة من أجل أن أحظى بمثل هذا الكشف الصادق. مع ذلك القطعتان الأدبيتان مختلفتان: القصة القصيرة تتحدث عن حالمٍ يكتشف أنه يُحلم، أما القصيدة فهي تخصُ علاقة الإله بالانسان، أو ربما الكاتب بعمله."

بورخيس كما هو معروف مولعٌ بالكابالا، الأساطير اليهودية التي تزعمُ أنّ للكلمات و الحروف قدرة الخلق. قرأ بورخيس أسطورة الغولم و رابي براغ (يهوذا ليون)، و منذ ذاك وهو مولع بهذه الأسطورة. تقول الأسطورة أن اليهود في براغ، زمن الإمبراطور الرماني رودلف الثاني، كانوا يتعرضون للاضطهاد و الطرد. من أجل حمايتهم قام الرابي يهوذا ليون بصنع الغولم، حيث جلب التربة من طين النهر، ثم أخذ يشكل الحروف بتركيبات لانهائية، حتى اهتدى على الاسم المقدس الذي يبعث الحياة في الدمية الطينية. بهذه الطريقة انبعث الغولم، و صار يحمي اليهود في حيهم. إلا أن الأسطورة تقول أن الغولم أصبح عنيفاً إلى درجة أن صار يقتل غير اليهود. أسطورة أخرى تقول أن الغولم أحبّ فتاة، و عندما لم تبادله حبه، أصبح عنيفاً. في الأخير ابتهل الإمبراطور نحو الرابي اليهودي يهوذا ليون كي ينزع الحياة من الغولم، و بالمقابل سيأمر بالتوقف عن اضطهاد اليهود. قام الرابي بمسح الحرف الأول من الكلمة المكتوبة على جبهة الغولم emet و التي تعني (حقيقة)، لتصبحَ met بمعنى (موت). منذها و الغولم يرقد كدمية في السيناغوغ (معبد اليهود)، حيث يمكن إرجاعه إلى الحياة في أي وقت.

استعمل بورخيس هذه الأسطورة ليعالج ثيمته المفضلة: اللانهاية، حيث الحالم محلوم، و الخالق مخلوق، و حيث يتمُ حركته الأخيرة لتحدث المفاجأة، فتصبح العلاقة ما بين الغولم و الرابي موازية للعلاقة ما بين الرابي و الرب (تقدسّ الله سبحانه عن أي تشبيه)، و ليظل المخلوق دائما أقل من الخالق، في هذه السلسلة غير النهائية من الخلق حسب أساطير الكابالا اليهودية. 

..







"الفارس، الموت، و الشيطان"

النسخة الأولى

تحتَ الخوذةِ غير الحقيقيةِ، تبدو السحنةُ القاسيةُ
متجهمةً كمثلِ السيفِ المتجهمِ
مترقبةً، متحفّزة. و عبرَ الغابةِ المخطّطة
يمضي الفارسُ رابطَ الجأشِ، غيرَ متطلعٍ للخلف.
من حوله، يطبقُ الرعاعُ القذرونَ
بتلصصٍ و خَرَق: الشيطانُ بعينيهِ الخانعتين، زواحفُ المتاهةِ،
و الكهلُ الرماديّ ذو الساعةِ الرملية. 
أيها الفارسُ الحديديّ، أياً كان من ينظرُ فيكَ
هو يعلمُ أنهُ لا مكانَ للكذبِ و لا للخوفِ 
في داخلِك. قدرُكَ القاسي
أن تأمرَ و أن تُهين. أنتَ صنديدٌ
و أنتَ بكلِ تأكيدٍ لستَ بتافهٍ،
أيها الألماني، يا ذا الشيطانِ و الموت.


النسخة الثانية

ها هنالك طريقان: ذاك الخاصُ برجلِ
الفولاذ و الصَلَفِ و هو يمضي 
صلباً في إيمانِه عبرَ غابات الشكّ في هذا 
العالمِِ ما بينَ سخريةِ و تراقصِ
الموتِ مع الشيطان،
و الطريقُ الآخرُ، الأقصرُ، طريقي.
في أيّ صباحٍ، أيّ ليلٍ ماضٍ سحيق،
اكتشفت عينايَ هذه الملحمةَ الرائعةَ؛
حلمَ دورير الخالد،
البطلُ و الغوغاءُ بكلِ ظلالِهمُ
وهم يفتشونني، و يوقعونني في مكمن؟
إنهُ أنا، و ليسَ البالادن، من يحذّرهُ 
الكهلُ الأشيبُ ذو الأفاعي الملتفة.
ساعةُ المستقبلِ المائيةُ تقيسُ وقتي،
و ليسَ وقتَهُ الأبديّ.
أنا هوَ من سيصبحُ رماداً و ظلاماً،
أنا، من شرعَ بالرحلةِ لاحقاً، و سأصلُ
إلى محطةِ فنائي. 
أنتَ، يا من لستَ بموجودٍ،
أنتَ، يا فارسَ السيفِ المُشهرِ
فارسَ الأدغالِ الصلبة،
سوفَ تبقى خطواتكَ ماضيةً
ما دامَ هناكَ رجالٌ رابطو الجأشِ،
خياليون، خالدون.


هذه القطعتان، من القصائد المفضلة لديّ، إذ أنهما تجمعان ما بين بورخيس و ألبرخت دورير. قرأتُ في مكانٍ ما (أعتقد أنهُ كتاب ألبرتو مانويل عن بورخيس) بأنّ بورخيس كان يعلّق هذه اللوحة (الفارس، الموت، و الشيطان) في غرفة نومه، فوق سريره مباشرة. فتنتي الصورة: بورخيس الشاعر شبه الأعمى، ذو البصر المتراخي، يعلقُ لوحةً دقيقة التفاصيل فوق سريره! لا بدّ أنها تعني الكثير له، و لا بدّ أنه كلما تطلعَ في خطوطها و ظلالها السوداء المتداخلة، رآها في كامل تفاصيلها، ليس أمامه، و لكن في ذاكرته،  داخل عقله.

أذكر أنني عندما قرأت هذه القطعتين لأول مرة، قبل أن أتعرف على فن و لوحات دورير، لم أفهمهما بالمرة. بعد أن اكتشفت أنه يتحدث عن لوحة، و بعد أن تعرفت على فن دورير البديع، صرتُ أفهم ولع بورخيس بهذه اللوحة. ذاك الولع الذي دفعه لتعليقها فوق سريره رغم تراخي بصره، و الذي دفعه إلى كتابة قصيدتين بخصوصها.

يختلف نقاد الفن في تفسير لوحة دورير، إذ يزعم بعضهم أنها تخصُ نهاية فرسان المعبد Knights Templar ، عندما تآمر الملك فيليب الرابع مع البابا كليمنت السابع للإيقاع بهم، و رميهم بالهرطقة، و إحراقهم أحياءً. يزعمون أن الفارس هو جاك دي مولي Jacques de molay ، آخر رئيس لفرسان المعبد، و الذي أحرق حياً في باريس.. و أن الملك فيليب هو الكهل الممسك بالساعة الرملية، و أن البابا كليمنت هو الماعز/ الشيطان.

بورخيس لا ينظر إليها هكذا، و إنما ينظر إليها بصورتها العامة، بما تقدمه من أمثلة archetypes : الفارس و الموت و الشيطان. بهذا التفسير تصبح اللوحة أكثر عمومية، و بهذه الطريقة يقع الرائي في الكمين، فإذا بهِ الفارس و هو يمضي بلا محالة نحوَ موتٍ محتّم.

في القطعة الأولى، يطيب لبورخيس أن يتغنى بهذا الفارس، الذي يمضي في طريقه غير حافل بالغوغاء (الشيطان و الزواحف و الموت)، كما هو قدر الفنان، حين يمضي في طريقه غير عابئ بالنقاد و الشائنين.

في القطعة الثانية، و التي أعدها أجمل، يلعب بورخيس على ثيمة الفناء و الخلود، فتصبح تحذيرات الموت و هو يمسك بالساعة الرملية (أو المائية) غير ذات معنى بالنسبة للفارس، إذ أنه خالد داخل اللوحة. و لكن التحذيرات تطال الرائي خارج اللوحة، إذ أنها تذكره بفنائه و موته.

و لكن هل هذا ينطبق على بورخيس؟ بورخيس يعلم أنه سيموت، و لكنه يعلمُ أيضاً أنّ قصصه و قصائده سوف تبقى تُقرأ و تُتجر أبدَ الدهر ما دام هناك قراء و محبون للأدب. لهذا، يغدو بورخيس مخاطبا نفسه (في سلسلة أبدية) عندما يقول:


"أنتَ، يا فارسَ السيفِ المُشهرِ
فارسَ الأدغالِ الصلبة،
سوفَ تبقى خطواتكَ ماضيةً
ما دامَ هناكَ رجالٌ رابطو الجأشِ،
خياليون، خالدون."

هل أستطيع أن أغير المقطع الأخير ليصبح:


"أنتَ، يا حارسَ كتاب الرمل،
يا رجلَ المتاهةِ و المُطلق،
سوف تبقى خطواتكَ ماضيةً
ما دام هناك قراءٌ 
و كانت هناكَ كُتب."


..


الوردة غير المنتهية
إلى سوزانا بومبال

في العامِ الخمسمائة من الهجرة
نظرتْ فارسُ من أعلى مناراتها
نحوَ صحراءِ الرماحِ الغازية،
و حدّق عطارُ نيسابور في وردة
مخاطباً إياها بكلماتٍ ليس لها صوت،
كما يفعلُ المفكر، لا المصليّ:
"جُرمكِ المدوّرُ يملأُ راحةَ يدي، و الوقتُ
يحني كلاً منا، و كلانا لا ندري،
هذا المساءَ، في هذه الحديقة المنسيّة.
شكلكِ الهشّ رطبٌ في الهواء.
و مدّ عبقكِ المتواصل يرتفعُ باتجاهِ
وجهي المضمحل الكهل.
و لكني أعرفكِ أكثرَ من ذاكَ الطفلِ الذي
لمحكِ ما بين طبقاتِ الحلمِ
أو ها هنا، في الحديقةِ، ذاتَ صباح.
بياضُ الشمسِ ربما كانَ لكِ
و لربما أيضاً ذهبُ القمر، أو الصبغةُ القرمزية
التي تعلو حدّ السيفِ ما بعدَ النصر.
أنا أعمى و لا أعرفُ شيئاً، و لكني أرى سُبلاً أخرى؛ 
و كلُ شيءٍ هو لانهايةٌ من الأشياء. 
أنتِ موسيقى، أنهارٌ، قبابُ فلكٍ، قصورٌ، ملائكة،
آهٍ أيتها الوردةُ غير المنتهية، حميمةٌ و بلا حدود،
في النهاية سوفَ يظهركِ اللهُ أمامَ عينيّ المُطفئتين."



في هذه القصيدة، يستعير بورخيس شخصية فريد الدين العطار ليتحدث باسمه. فريد الدين العطار كما هو معروف هو أحد كبار شعراء فارس، و لقد قيل أن جلال الدين الرومي أحضر له أثناء صباه فتنبأ فريد الدين بنبوغه. للعطار كتاب شهير يُدعى "منطق الطير".. يحكي اجتماع الطيور و عزمها البحث عن الطائر الأسطوري "السمورغ" كناية عن الله. تعتذر بعض الطيور و تتقاعس عن الرحلة، أما البقية فتبدأ بالتساقط مع كل مرحلة، حتى لا يصل بالأخير إلا ثلاثين منها، لتكتشف بالأخير أنها جزء من السمورغ، في لعبة لفظية على اللغة الفارسية، حيث يمكن تجزيء كلمة السمورغ لتعني "ثلاثين طيراً".

استخدم بورخيس منطق الفناء في ذات الخالق هذا، و فلسفة إسبينوزا التي ترى في كل شيء مرآة لله، لتصبح الزهرة التي يخاطبها كل شيء، و رمزا لله ذاته، و لهذا يتمنى بورخيس أن يرى في الأخير هذه الزهرة المستحيلة، هذه الزهرة غير النهائية، أن يريها له الله، أن يريها عينيه المنطفئتين.

لا أدري إن كان سبق لأحدهم أن أشار لما سأقوله الآن أم لا.. و لكني و بوضوح أستطيع أن أقول أن بورخيس من أهم الشعراء الصوفيين، و أنه رغم ما يزعمه من لادينيته قضى عمره كله يبحث عن الله في المطلق و اللانهائي.

..

ألكساندر سيلكيرك

أحلمُ بالبحرِ، ذاكَ البحر، الذي يحاصرني
و من الحلمِ تنقذني أجراسُ اللهِ التي
تباركُ و تعمّدُ صباحاتِ 
هذه الأريافِ الإنجليزية.
لخمسِ سنواتٍ كنتُ أعاني، متطلعاً في الخالدِ
صورٌ من اللانهايةِ و الوحدة، 
لتتحولَ الصورُ إلى هذه القصةِ التي 
أعيدها كالوَسواسِ في الحانات.
أرجعني اللهُ إلى عالمِ الناس،
إلى المرايا و الأبواب و الأرقام و الأسماء،
و لم أعدْ ذاكَ الرجلَ الذي تطلعَ بلانهايةٍ
في البحرِ و في أفقهِ العميق الجَدب.
و لكن الآن، ماذا يجبُ أن أصنعَ 
كي يدركَ ذاكَ الرجلُ أنني وصلتُ ها هنا، 
سالماً، معافىً، بينَ بني جنسي؟



ألكساندر سيلكيرك بحار سكوتلندي، عاش في القرن السابع عشر الميلادي. تُرك ألكساندر وحيداً في جزيرة خوان فيرنانديز لمدة أربع سنوات، و السبب لأنه كان يملك شكوكا حولَ صلاحية سفينتهم للإبحار. عندما رفض ألكساندر ركوب السفينة، أبحرت السفينة تاركة إياه وحيدا في الجزيرة، لتصدق توقعات ألكساندر فيما بعد و تغرق السفينة. بقي ألكساندر لمدة أربع سنوات في الجزيرة وحيداً، إلى أن أُنقذ بواسطة سفينة الديوك، ليرجع إلى إنجلترا و يكتب عن تجربته الفريدة. يُقال أن دانييل ديفو اعتمد على مذكرات سيلكيرك كمصدر أساسي لروايته روبنسون كروزو.

هنا يستخدم بورخيس هذه الشخصية التاريخية بذكاء لمعالجة ثيماته المحببة. يتحدث بورخيس على لسان سيلكيرك بعد رجعته إلى إنجلترا، حيث يتواجد مع بشر مثله، و لكنه لا يستطيع أن يتخلص من شراك اللانهاية و الخلود. في كل ليلة يحلمُ بالبحر، نفس البحر الذي كان يحوّطه في الجزيرة، إلى أن يستيقظ فزعا على قرع أجراس الكنائس. رغم أن الحياة اليومية تمتلئ برموز متعددة لما هو لانهائي: كالأرقام و الاسماء و المرايا.. إلا أنّ سيلكيرك يبقى عاجزا عن الخروج من شراك تلك اللحظة التي جلس فيها وحيدا على شاطئ الجزيرة و تطلع في الخالد. مخلوق فانٍ لا يُفترض به أن يدخل في علاقة متكافئة مع الخالد، و لذا و رغم رجوعه إلى إنجلترا، إلا أنّ ذاته الحقيقية تبقى أسيرة و عالقة في تلك الأبدية، حيث تجلسُ متطلعةً في العباب و الزرقة.



..

قصيدة العنصر الرابع

الإلهُ الذي حاصرهُ جنديٌ من سلالةِ (آتريوس)
على طولِ ساحلٍ تحرقهُ الشمسُ،
تحوّل على التوالي: أسداً، تنيناً، نمراً، شجرةً،
و بعدَ ذلك تحوّلَ ماءً، إذ أنّ الماءَ (بروتيوس).

إنهُ السحابةُ غيرُ المتكررةِ، مجدُ 
غروبِ الشمسِ و هي تصبغُ الأفقَ حمرةً؛
إنهُ الإعصارُ يقلبُ صفحةَ الجليدِ دواماتٍ،
و هو الدمعةُ عديمةُ الجدوى، أريقها حينما أذكرك.

إنهُ –في أساطيرِ الخلقِ- النبعُ السريّ الذي
يغذي الأرضَ، و هو النارُ التي تلتهمُها،
إنهُ نبعُ القوى التي تحكمُ الفجرَ و الريحَ الغربيةَ.
(أو هكذا يزعمُ سينيكا و ثالوس الميلتيسي.)

البحرُ، و الجبالُ المتحركةُ التي تحطّمُ
السفنَ الحديديةَ هي فقط بعضُ تنكراتِك،
و كذلك الوقتُ الذي يجرحُنا و يمضي،
إنهُ –يا ماءُ- إحدى استعاراتِك.

تحتَ الريحِ المزمجرة، كنتَ متاهةً
بلا نوافذ و لا جدران، حيثُ أضاعتْ
دروبكَ الرماديةُ عوليسَ و رمتهُ
ما بينَ الموتِ و بينَ تقلّبِ البخت.

أنتَ تلمتعُ، كنصلِ سيفٍ قاسٍ صقيل،
تأخذُ أشكالَ الأحلامِ و الكوابيسِ و الوحوش.
إليكَ تَنسبُ ألسنةُ الناسِ عجائبَ مختلفة.
لحظاتُ هروبِكَ تسمى: الفرات و الجانجس.

(يقولونَ أنهُ مقدسٌ، ماءُ الأخير،
و لكن و بما أنّ البِحارَ تعملُ بطرقٍ سريّةٍ
و كوكبنا ذو مسامٍ، لربما كانَ من الممكنِ أن نزعمَ
أنّ كل رجلٍ اغتسلَ مرةً في نهر الجانجس.)

دي كوينسي، وسطَ لجّةِ أحلامِه،
رأى بحارَكَ مذرورةً بالأوجهِ و الشعوب.
لقد لطّفتَ من ألمِ الأجيالِ.
و غسلتَ جثةَ والدي، و المسيح.

يا ماءُ، أسألكَ معروفاً. عبرَ هذا النظمِ
الكسولِ من الكلماتِ المصفوفةِ أتحدثُ إليك.
تذكّر بورخيس –صديقَك- الذي خاضَ فيك.
كن متواجداً فوقَ شفتي في لحظتي الأخيرة.

هذه القصيدة من أكثر قصائد بورخيس رقّةً، و هنا تأتي المفارقة، إذ أنها ليست عن حبيبةٍ و لا أقارب، و لكنها عن الماء! الماء هو العنصر الرابع، حيثُ التراب و الهواء و النار هي العناصر الثلاثة الباقية، يختارهُ بورخيس كي يكون موضوع قصيدته.

الماءُ هنا لا يمكن الإمساكُ به، إذ أنه بروتيوس، إله التحولات. حسب الأوديسة، عندما أراد مينيلاوس (ابن آتريوس) الرجوع من طروادة إلى مملكته في إسبارطة، تحطمت سفنه في مصر، و لم يدرِ كيف يعود، إلى أن حاصر إله الماء (بروتيوس) على الشاطئ كي ينتزع منه السر الذي يمكنه الإبحار برجاله، و لكن بروتيوس كي يفلت من أسر مينيلاوس تحوّل أسدأ و تنينا و نمرا و شجرة، و من ثمّ اتخذ هيئته الأصلية: الماء.

اللانهاية هي أحد أكثر المواضيع شعرية لدى بورخيس، و لذا يحبُ أن يلعب بها ليستمتع بإحساس الدوار الذي تلحقه به. الماءُ هو السحابة التي لا تتكرر، و لكنه في نفس الوقت يدور في دورات متلاحقة ما بين الأرض و السماء، و لذا يمكن الزعم أن كل شخص اغتسل بماء نهار الجانجس.

بورخيس لا يحبُ التصريح بمشاعره العاطفية، و لذا نادرا ما يكتب قصيدة حب، و لكنه هنا يضعف ليقول عن الماء في أحد أكثر بيتوته عذوبةً:

و هو الدمعة عديمة الجدوى، أريقها حينما أذكرك.

و لكن أكثر أبيات القصيدة عذوبةً هو نهايتها، عندما تتحولُ جميع الأبيات السابقة إلى ابتهالٍ و صلاة، ليخاطب بورخيس الماء بلغةٍ تفيض عذوبةً و رقّّة:


Agua, te lo suplico. Por este sonoliento
Enlace de numericas palabras que te digo.
Acuerdate de Borges, tu nadador, tu amigo.
No faltes a mis labios en el postrer momento.


يا ماءُ، اسألكَ معروفاً. عبرَ هذا النظمِ
الكسولِ من الكلماتِ المصفوفةِ أتحدثُ إليك.
تذكّر بورخيس –صديقَك- الذي خاضَ فيك.
كن متواجداً فوقَ شفتي في لحظتي الأخيرة.


..


هنجست يريد رجالاً
( 499 قبل الميلاد)

هنجست يريدُ رجالاً.
سوفَ يزحفون من تخومِ الرملِ الممتدِ إلى أن يتماهى بالبحرِ، يزحفونَ من أكواخٍ يملأها
الدخانُ، من أصقاع باليةٍ، من غاباتٍ عميقةٍ تسكنُها الذئابُ و يعشعشُ وسطَها الشرّ.
الفلاحونَِ سوفَ يتركونَ محاريثَهم، و الصيادون يتركونَ شبكاتِهم.
سوفَ يتركونَ زوجاتِهم و يتركونَ أولادَهم، إذ أنَّ الرجلَ يعلمُ أنهُ في مكانٍ ما تحتَ جنحِ الليلِ يمكنُ أن يلتقيَ بالأولى و أن ينجبَ الثاني.
هنجست المُرتزق يريدُ رجالاً.
يريدُهم كي يُخضعَ جزيرةً لم تُدعَ بعدُ بإنجلترا.
سوفَ يتبعونهُ شرهينَ آثمين.
يعرفونهُ جيداً: أنهُ كان الأولَ دائماً في القتال.
يعرفونَ أنهُ ذاتَ مرةٍ نسيَ قسمَ ثأرٍ اجترأهُ، و أنهم أعطوهُ سيفاً مُصلتاً، و أنَّ السيفَ فعلَ فعلتَه.
سوفَ يختبرونَ مجاديفِهم ضدّ البحرِ، بدونَ بوصلةٍ أو صارية.
سوفَ يحملونَ سيوفاً و تروساً، خِوذاً بشكلِ رؤوس الدببة، تعاويذَ تجعلُ حقولَ الذرةِ تتضاعفُ، أساطيرَ خلقٍ غامضة، قصصاً عن قبائلِ الهون و القوط.
سوفَ يُخضِعونَ الحقولَ، و لكنهم لن يدخلوا المُدنَ التي تخلّى عنها الرومان، إذ أنها أشياءُ معقدةٌ على أذهانهِم البدائية.
هنجست يريدهم من أجلِ النصر، من أجلِ السلبِ و النهب، من أجلِ إفسادِ اللحم، من أجل النسيان.
هنجست يريدهم (و لكنهُ لا يعلمُ ذلك) من أجلِ تأسيسِ أعظم إمبراطوريات الدنيا، من أجلِ غناءِ شكسبير وَ وايتمان، من أجلِ أن تحكم سفنُ نيلسون البحر، من أجلِ أن يُطردَ أدمُ و حواء –صامتين، يداً بيدٍ- من الجنةِ التي فقداها.
هنجست يريدهم (و لا يعلمُ ذلك) من أجلِ أن أكتبَ هذه الحروف.




هنا يستكمل بورخيس ولَعة بالأساطير الأنجلوساكسونية، فيستمدُ بطله من التاريخ القديم: هنجست و أخوه هورسا Hengist and Horsa . ترجع هذه الحادثة إلى السنة الأربعمائة و التسعة و تسعين قبل الميلاد، حينما قاد هنجست القبائل الآنجلوساكسونية (الجرمانية) إلى بريطانيا ليحارب الإسكوتلانديين البكتز. انتصار هنجست في تلك المعركة التي قتل فيها أخوه هورسا ترتب عليه قيام المملكة الآنجلوساكسونية، و التي وُلدت منها اللغة الإنجليزية، و كانت مقدمة لنشوء بريطانيا على شكلها الحالي.


هل كان يخطرُ في بال هنجست المقاتل المُرتزق أن انتصاره البسيط ذاك سيكون سبباً لنشوء اللغة الإنجليزية (لغة شكسبير وَ وايتمان)، اللغة التي أنشأ بها جون ميلتون ملحمته (الجنة تُفقد) ليحكي عن خروج آدم و حواء من الجنة بعد أكلهما من الشجرة المُحرمة. تشابك الأقدار بهذا الشكل الشائك وغير المنتظر هو الفكرة الجمالية التي يعالجها بورخيس، فيأخذها إلى أبعد حدودها عندما يقول أنه لولا انتصار هنجست في تلك المعركة لما كتب بورخيس هذه القصيدة.

..

تاريخُ الليل

مروراً عبرَ الأجيالِ
بنى الرجالُ الليل.
في البدايةِ كانَ العمى و النومَ
و أشواكاً تشُقّ القدمَ العاريةَ
و الخوفَ من الذئاب.
لن نعرفَ أبداً من شكّل الكلمةَ
لتدلَّ على الظلِ الفاصلِ
ما بينَ غسقين.
لن نعرفَ أبداً في أيّ قرنٍ استُخدمَ كشفرةٍ
للفضاءِ الممتدِ ما بينَ النجوم.
أشخاص آخرون اختلقوا الأسطورة:
جعلوا الليلَ أماً للسيدات الثلاثِ اللاتي
يغزلنَ القدر،
و ضحّوا من أجله بأغنامٍ سوداءَ 
و بالديكِ الذي يتنبأُ بنهايتِه.
المشعوذون وهبوهُ إثنى عشرَ بيتاً؛
عوالمَ لانهائيةٍ، وهبوهُ البوابة.
مسطّراتُ هوميروس السداسيةُ أعطتهُ شكلاً
و باسكال أودعَ فيه رعبَه.
الراهب لويس دي ليون رأى فيه وطناً
لروحِه الوَجِلة.
أما الآنَ فإننا نشعرُ بعدمِ فنائه، بأنهُ غير مستهلكٍ
كالخمرِ العتيقةِ،
و لا أحدَ يستطيعُ أن يتأملَهُ دون أن يصابَ بدوارٍ،
و الوقتُ أودعَه خلوداً.

.. لتظنَ -بعدَ هذا- أنهُ لن يوجدَ
إلا لهذه الأدواتِ الضعيفةِ: العيون!



هذه القصيدة هي عنوان لأحد دواوين بورخيس المتأخرة، بعدَ أن أصيب بضعف البصر، في الحقبة التي ترك فيها القصص و عاد إلى الشعر. يسمي بورخيس قصيدته تاريخ الليل History of the night ليعالجَ مفهوم الليل عبر الأجيال المتلاحقة. بورخيس مغرم بتاريخ اللغات و قوى الأسماء، و كما تساءل في قصيدة سابقة عن الرجل الذي أطلق على (القمر) هذا الاسم أول مرة، هو هنا يتساءل عن التاريخ السحيق لكلمة (الليل).. ما الذي دفع الإنسان الأول (و ربما غير الأول) كي يختار إطلاق اسم على ما هو عدم و فراغ و سالب؟


في البداية (زمن الإنسان البدائي) كان الليل مرادفاً للظلمة و عدم الأمن (الأشواك و الذئاب)-- إنه الوقت الذي يرجع فيه الصياد البدائي إلى كهفه. مع الوقت، تطوّّر هذا المفهوم ليتحول من مفهوم زماني إلى مكاني: فيصبح الفضاء الأسود الممتد بين النجوم! ليس هذا فحسب، بل إن الإنسان مغرم بخلق الأساطير التي تعطي تفسيراً للظواهر الطبيعية، فجعله الإغريق أٌماً للـ Fates اللاتي يغزل قدر الانسان، لتقوم ثالثتهنّ بقطعه بالأخير. ما الذي دفعَ العلماء القدماء (المشعوذين Chaladeans ) لأن يقسموا اليوم إلى أربعة و عشرين ساعة، ليهبوا الليل إثنتي عشرة ساعة منها (إثنى عشر بيتا). ينتقل بورخيس في رحلته الثقافية لمفهوم الليل عبر أصدقائه المحببين، فيشير إلى أن هوميروس في الإلياذة جعل الليل أحد الآلهة حين يقول (أن الفجر يصحو بأصابع وردية)-- و يشير إلى الفيلسوف باسكال الذي زعم أن إله إبراهيم زاره على شكل نارٍ في الليل، و يشير أيضا إلى الشاعر لويس دي ليون الذي جعل من الليل وطنا لروحه.

بعدَ كل هذا، هل يحق لبورخيس أن يزعم أن الليل ما كان ليوجد إلا كظاهرة بصرية تعتمد على العينين (اللتين فقدهما بورخيس تدريجياً)؟ بالطبع لا.. و هذا هو عزاء بورخيس.

..

زهرة و ميلتون

من كلِ أجيال الزهور السابقة،
و قد تفسخت في قاعِ الوقت،
أريدُ لواحدةٍ أن تُعفى من النسيان-
زهرة واحدة عادية من ضمن كل الأشياء
التي تواجدت ذاتَ مرة. أريدُ للقدرِ أن يهبني
حظوةَ الاختيار، للمرةِ الأولى،
تلك الزهرة الصامتة، الزهرة الأخيرةُ التي
أمسك بها ميلتون قبالةَ وجهه، دونَ أن يستطيعَ
رؤيتَها. آهٍ أيتها الزهرة، قرمزية أو صفراء 
أو بيضاء، من حديقةٍ ما متلاشية، 
وجودكِ الماضي يستمرُ كسحرٍ 
و يتلامعُ للأبدِ في هذا الشعر،
ذهبيةً أو مطليةً بالدم، عاجية أو محجوبة بالظل،
كما كنتي ذاتَ مرةٍ بين يدي ميلتون، أيتها الزهرة غير المرئية.

جون ميلتون هو أحد أشهر الشعراء الإنجليز، و مؤلف ملحمة (الفردوس المفقود) أو (الجنة تُفقد) كما أحب أن أترجمها. من المعروف أن ميلتون فقد بصره في أواخر حياته، كما أن حظوته الإجتماعية سقطت بعد انهزام بطله الثوري كرومويل، و لهذا عاش حياة عزلة كئيبة، لا تخففها إلا الكتب و القصائد التي كانت إحدى بناته تقرأها عليه.

لذا من الطبيعي أن يتعاطف بورخيس مع ميلتون، فهما يتشاركان في العمى و الشعر، و أن يصطنع هذه الزهرة الأسطورية التي لا أدري هل هي من صنع و خيال بورخيس أم أنها تستند على حادثة معينة ذكرت في سيرة حياة ميلتون. أيا كان الأمر، لقد أضفى بورخيس شعرية هائلة إلى هذه الزهرة التي استطاع أن يلمسها و أن يشمها -عبر خليج الوقت- دون أن يستطيع رؤيتها.

ترجمة و تعليق: عدي الحربش