الخميس، 27 أبريل، 2017

موقف الحساب The House of Judgment



وعندها أطبق الصمت في موقف الحساب، وتقدم الإنسان عاريًا أمام ربه.
   وفتح الإلهُ صحيفة الإنسان.
   وخاطب الإلهُ الإنسانَ: "كانت حياتك شريرةً؛ أظهرت القسوة لمن يحتاجُ العون، كنت فضا غليظ القلب معهم. ناداك الفقراء فلم تسمع، وسددتَ أذنكَ تجاه صرخاتهم. أكلت تَرِكة اليتيم، وأطلقت الثعالب في كَرمة جارك. استوليت على خبز الأطفال، وألقمته الكلاب، وطردت المجذومين من أهوارهم، ورميت بهم إلى قارعة الطريق، وسفكتَ الدم فوق الأرض التي جبلتُكَ من صلصالها."
   أجاب الإنسان: "كل ذلك فعلته."
   وفتح الإله الصحيفةَ مرةً ثانية.
   وخاطب الإلهُ الإنسان: "كانت حياتك شريرةً، كشفتُ الجمالَ لك فبحثتَ عنه، وأخفيتُ الصالحَ عنك فمررتَ غير عابئٍ به.  ملأتَ جدران مخدعك بالتصاوير، وعلى أنغام الناي استيقظتَ فوق سرير فحشائك. شيّدتَ هياكل الآثام السبعة، وأكلتَ الثمرة المحرمة، وزيّنت مِطرفك بشاراتِ الخزي الثلاث، لم تكن أوثانك من الذهب أو الفضة الدائمين، وإنما لحمًا يتفسّخ، ضمّختَ شعرها بالعطر، ووضعتَ رماناً في راحة يدها. دهنتَ أقدامها بالزعفران، ومددت البُسُطَ أمامها، لوّنت بالكُحل أجفانها، وغسلتَ بالمسكِ أجسادها. وقبّلتَ الأرض بين يديها، ونصبتَ لها عرشا فوق الشمس. كشفتَ خزيك أمام الشمس، وجنونك أمام القمر."
   أجاب الإنسان: "كل ذلك فعلته."
      وفتح الإلهُ الصحيفةَ مرةً ثالثة
   وخاطب الإلهُ الإنسان: "كانت حياتُك شريرةً، قابلتَ الخير بالشر، والطيبة بالعدوان، جرحت اليد التي أطعمتك، واحتقرت الثدي الذي أرضعك، تركت من سقاك عطشانَ، وحين أخفاك قطاع الطريق ليلاً وشيتَ بهم فجرًا. كمنتَ لعدوك الذي أبقى عليك، وبعتَ رفيقك بحفنة دراهم، وكل من أحبك كان جزاؤه الشهوة."
   أجاب الإنسان: "كل ذلك فعلته."
   وأغلق الإله صحيفة عمل الإنسان، وقال: "سوف أرسلك حتما إلى الجحيم .. إلى الجحيم سوف أرسلك."
   صرخ الإنسان: "لا يمكنُ ذلك!"
   خاطب الإلهُ الإنسانَ: "كيف لا يمكن إرسالك إلى الجحيم؟ لماذا؟ ولأيّ سبب؟"
   أجاب الإنسان: "لأني -وطوال حياتي- كنت أعيش في الجحيم."
   وعندها أطبق الصمت في موقف الحساب.
   وبعد برهة تكلّم الإله، وخاطب الإنسان: "إذا كنتُ لن أرسلك إلى الجحيم، حتمًا سوف أرسلك إلى الجنة .. إلى الجنة سوف أرسلك."
   صرخ الإنسان: "لا يمكنُ ذلك!"
   خاطب الإلهُ الإنسانَ: "كيف لا يمكن إرسالك إلى الجنة؟ لماذا؟ ولأيّ سبب؟"
   أجاب الإنسان: "لأني -وطوال حياتي- وأيّما طوّحت بوجهي، كنتُ عاجزًا عن تصورها."
   وعندها أطبق الصمت في موقف الحساب.

تأليف : أوسكار وايلد
ترجمة : عدي الحربش