الأحد، 19 مايو، 2013

بورخيس كشاعر قبل أن يكون قاصاً




الإسكندرية، 641 بعد الميلاد

منذُ أولِ آدمَ، ذاكَ الذي تلقى الليلَ
و النهارَ و تعرّفَ على شكلِ يدِه
و الرجالُ يختلقونَ القصصَ، و ينقشونَ
على الصخرِ، و المعدنِ، و الأوراقِ
كلُ ما يحويه العالمُ أو تختلقهُ الأحلامُ.
ها هنا ثمرةُ جهدِهم: المكتبة.
يُقالُ أنَّ ثروةَ المجلداتِ التي تحويها
تفوقُ عددَ النجومِ و حباتِ
الرملِ في الصحراء، وأنَّ الرجلَ الذي
يحاولُ قراءتها جميعاً، سوفَ يفقدُ
عقلَهُ، و يفقدُ فائدةَ عينيهِ الجريئتين.
ها هُنا ذاكرةُ القرونِ العظيمةُ
ذاكرة السيوفِ و الأبطالِ،
رموز الحسابِ المُختصرةُ
المعرفةُ التي تتخيلُ الكواكبَ،
و تحكمُ القدرَ، قوى
الأعشابِ، و النقوشاتُ الطلسميةُ،
الشِعرُ الذي يُخلّدُ لمساتِ العشقِ،
العلمُ الذي يفكُ شفرةَ 
المتاهةَ الوحيدةَ لله، الدينُ،
و الخيمياءُ التي تطمحُ إلى تحويلِ الصلصالِ ذهباً
و كلُ رموزِ الوثنيةِ.
يقولُ الكافرونَ أنها لو احترقتْ
فسيحترقُ التاريخَ معَها، هم مخطئون.
عملُ البشرِ غير المتوقفِ أثمرَ عن هذه 
اللانهايةِ من الكتبِ. و لو أنها كلها
لم يبقَ منها أيّ كتابٍ، لاستطاعَ الانسانُ
أن يتلقى كلَ صفحةٍ منها و كلَ سطر،
كلَ عملٍ، و كل عشقٍ لهرقلَ
و كلَ درسٍ في كلِ مسوّدة.
في القرنِ الأولِ من الهجرة
أنا، عمرُ الذي أخضعَ الفرسَ
و الذي فرضَ الإسلامَ على طولِ الأرضِ
آمرُ جنودي أن يحرقوا
بالنارِ تلك المكتبةِ الغزيرة
التي لن تفنى. كلُ الحمدِ مذخورٌ
للهِ الذي لا ينامُ، و الصلاةُ على الرسولِ محمد.



هذه القصيدة كانت بمثابة لكمةٍ في معدتي، إذ أنّ دخول "عمر بن الخطاب" المتأخر كمتحدثٍ في القصيدة، غيّر سياقها و رمزيتها لتجعلها أكثر خصوصية بالنسبة إليّ كقارئ عربي.

هنا يعالج بورخيس ثيمة "المكتبة كلانهاية" التي سبق أن عالجها في "مكتبة بابل"، و التي هي إحدى ثيماته المفضلة. بورخيس هو المكتباتي الأشهر، و لا أعرف أحداً عشق الكتب أكثر منه أو من الجاحظ. الجاحظ توفي في الأخير تحت كتبه، أما بورخيس فلقد أفقدته بصره. لهذا السبب، يقول بورخيس في القصيدة، ملمّحا إلى نفسه: "و أن الرجل الذي يحاول قراءتها جميعاً، سوف يفقد عقله، و يفقد فائدة عينيه الجريئتين".

هذا العاشق الأبدي للمكتبة لا يملك إلا أن يتوجع و هو يقرأ عن مصير المكتبات الأسطورية التي أحرقت أو أتلفت. مكتبة الأسكندرية هي إحدى أشهر هذه المكتبات، و رغم أن الرواية التي تزعم أن المكتبة أحرقت على يد عمرو بن العاص ضعيفة، إلا أن بورخيس يوردها، و يستعير الخليفة عمر بن الخطاب كلسانٍ متحدث في القصيدة.

و لكنه بدل أن يدين عمر، ينطقه بتلك الحقيقة الحكيمة الغائصة في سرّ المكتبة، التي تزعمُ أنّ بإمكان الانسان أن يتلقى و يُعيد كتابة كل حرفٍ و كل معرفة و كل فكرة، و بهذا تصبح اللانهاية دائرية، و يتحول اليأس أملاً، و الفقد إيماناً.

..


إلى قطعة نقد

باردةٌ و عاصفة، تلكَ الليلةُ التي أبحرتُ فيها من "مونتفيديو".
و أثناءَ دوراننا حولَ "سيرو"،
رميتُ من مقدمةِ السفينةِ
قطعةَ نقدٍ معدنية، لمعتْ و غمزتْ وسطَ المياهِ العكرة،
وميضَ ضوءٍ ابتلعهُ الوقتُ و الظلمة.
أحسستُ أني ارتكبتُ عملاً غيرَ قابلٍ للنقضِ،
مُضيفاً إلى تاريخِ الكوكبِ
سلسلتينِ غيرِ نهائيتينِ، متوازيتين، يُحتملُ أنهما أبديتانِ:
قدري الخاص، مصنوعاً من قلقي، عشقي، و انزعاجاتي العقيمة
و قدرَ تلك الدائرة المعدنية
محمولةً بعيداً بواسطةِ الماءِ إلى الأعماقِ الهادئة
أو إلى بحارٍ قصيّة لا تزالُ تعبثُ
بمخلفاتِ الساكسون و الفايكنج.
كل لحظةٍ تخصني، نائماً أو يقضاناً، 
توازي لحظةً تخصُ القطعةَ النقديةَ العمياء.
أحياناً أشعرُ بالشفقة،
و أحياناً أخرى، بالحقدِ
تجاهكِ، يا مَن تتواجدين، مثلَنا، وسطَ الوقتِ و متاهاته،
و لكن دونِ أن تدركي ذلك.



في هذه القصيدة، يلعب بورخيس مجدداً على ثيمة اللانهاية، و لكنه يربطها بثيمة أخرى هي الوعي و الوجودية. تختلف الأسباب التي تدفعني إلى اختيار قصيدة بالذات و من ثم ترجمتها، و هي تتراوح ما بين فرادة الفكرة أو جمال التصوير. هذه القصيدة تبدأ بمنظرٍ تصويري جميل، أستطيع أن أرى من خلاله بورخيس و هو يقف في مقدمة سفينة، و يطل وسط الليلة الباردة إلى الأسفل، باتجاه المحيط، و من ثم يرمي في أعماق العباب قطعة النقد.


مَن مِنّا لم تخطر بباله تلك الفكرة: أن يتركَ شيئاً ينتمي إليه في المكان الذي يغادره. إنها طريقة واهمة تحاول اصطناع الخلود، و رغم أن بورخيس قام بها و هو يغادر مونتفيديو، إلاّ أنه سرعان ما شعر بالندم بسبب إدراكه لعاقبة الفعل الذي جناه.

أنه يتخيل قطعة النقد و هي تهوي دائرةً في أعماق المحيط، ثم يتخيل السلسلة غير النهائية من القدر الذي سيترتب على رميه لهذه القطعة. إنه يوازي ما بين قدره و قدر القطعة المعدنية الغائصة في المحيط، حيث يتشابهان في لانهائيتهما، و لكنهما يختلفان في الإدراك و الوعي، فهو مُدرك لوجوده، بعكس القطعة المعدنية، و هذه هي لعنة الجنس البشري، و الصليب المحمول فوق ظهورهم.

..


السعادة

أياً كانَ من يحتضنُ امرأةً فهوَ آدمُ، و المرأةُ حواءُ.
كلُ شئٍ يحدثُ للمرةِ الأولى.
أنا رأيتُ شيئاً أبيضَ في السماء. أخبروني أنهُ القمرُ، و لكن
ماذا يمكنني أن أفعلَ بكلمةٍ و أسطورة.
الأشجارُ تخيفني قليلاً. يا لجمالهنّ.
الحيواناتُ الوديعةُ تقتربُ مني كي أخبرَها بأسمائها.
الكتبُ في المكتبةِ لا تمتلكُ حروفاً. بل تنبثقُ عندما 
أفتحهنّ.
أتصفحُ الأطلسَ فينبعثُ شكلَ سومطرا.
أياً كانَ من يُشعلُ ثقاباً وسطَ الظلمةِ، هوَ من اختلقَ النارَ.
داخلَ المرآةِ هناكَ آخرٌ يتربص.
أياً كانَ من حدّق في المحيط، هو سيرى إنجلترا.
أنا حلِمتُ بقرطاجة، و بالكتائبِ التي دمرت قرطاجة.
أنا حلمتُ بالسيفِ و بالميزان.
مباركٌ هو العشقُ الذي لا يوجدُ فيهِ مالكٌ أو مملوك، و إنما
إثنانِ مسلّمان.
مباركٌ هو الكابوسُ الذي يُظهِرُ لنا
أنّ بمقدورِنا اختلاقَ جهنّم.
أياً كانَ من يقصدُ نهراً، هوَ يقصدُ الجانجي
أياً كانَ من تطلعَ في ساعةِ الرملِ،هو يرى انحلال إمبراطورية
أياً كانَ من يلعبُ بخنجرٍ، هوَ يخبرُ مُسبقاً بمقتلِ قيصر.
أياً كانَ من يحلمُ، هو الإنسان الحيّ.
وسطَ الصحراء، رأيتُ أبا الهولِ صغيراً، منحوتاً للتوّ.
لا يوجدُ شيئ أقدمَ تحتَ الشمس.
كلُ شئٍ يحصلُ للمرةِ الأولى، و لكن بطريقةٍ أبدية.
أياً كانَ من يقرأُ كلماتي، هو يختلقها بنفسِه.


في هذه القصيدة، يعالج بورخيس عدة ثيمات حداثية مولعٌ بها، منها اللغة و الاسماء، الأبدية و الأبستمولوجيا، و أهمية القارئ كخالقٍ للنصّ. بورخيس مُولعٌ بالميتافيزيقيا، و بالأخص ميتافيزيقيا المعرفة، الإبستمولوجيا، التجاذب المستمر ما بين المدرسة العقلية الفرنسية و المدرسة التجريبية الإنجليزية. هل وجودنا ماديّ أم عقلي؟ هل عندما أرى الشئ يكتسبُ وجوداً لأنني رأيته، أم أنه موجودٌ قبلاً؟ هذه القصيدة تنويعة على هذا الموضوع.



و لأن فضاء اللغة يشبه فضاء الواقع، يكتسب القارئ المركزية التي يكتسبها الفرد المفكر. عندما تفتح الأطلس أنتَ تسلّطُ شكل سومطرا على الخريطة، عندما ترى أبا الهول أنتَ تصنعه للمرة الأولى، حتى قصيدة بورخيس تتبرأ من مؤلفها لتصبح صنع القارئ. 

لهذا السبب اختار بورخيس عنوان "السعادة" لقصيدته.. لأنّ نشوة القراءة تشبه نشوة الخلق تماماً، إذ أن كل الأشياء تحدث للمرة الأولى، لكن بشكلٍ أبديّ!

..




الغولِم

لو أنّ الاسمَ (كما يزعمُ الإغريقيُ في الكراتيلو)
عبارةٌ عن هيكلِ الشيء،
إذن لكانت الوردةُ في الحروفِ التي تتهجى "الوردةَ"،
و لتدفقَ كلُ النيلِ في كلمةِ "النيل".

و لذا، باجتماعِ حروفٍ صائتةٍٍ و صامتة،
قد يتشكلُ اسمٌ رهيب، 
يحملُ في شفرتهِ كُنهَ اللهِ، قدرتَه المتعالية،
مخفيةً وسطَ حروفٍ و أصوات.

آدمُ و النجومُ كانوا يعرفونهُ في الحديقة.
لطخةُ الإثمِ أزالتهُ
(كما تزعمُ طائفةُ الكابالا)
و بعدَ ذلكَ فقدتهُ الأجيال.

دهاءُ و خلوصُ الإنسانِ 
ليسَ لهما حدٌّ. نعلمُ أنَّ شعبَ اللهِ المختارَ 
بحثوا عن الاسمِ، و هم يُمضونَ
ساعاتِ الليلِ المتأخرةَ معتكفينَ وسطَ أحيائهم.

بخلافِ أولئكَ الذين تتلاشى ظلالُهم
في هُلامِ التاريخ،
تبقى ذكراهُ يانعةً و حيّة،
(يهوذا ليون)، رابي براغ.

وسطَ غمرةِ عطشهِ كي يعرفَ ما يعرفهُ الربُ،
(يهوذا ليون) أخذَ ينظمُ حروفَ الأبجديةِ
في تركيباتٍ مُعقدةٍ، حتى استطاعَ في النهايةِ
أن ينطقَ الاسمَ الذي كانَ هوَ المفتاح،

هوَ الباب، هوَ الصدى، المُضيف و القصر،
فوقَ دميةٍ شكلتها يداهُ الخرقاوان،
أخذَ يلقنُها العلومَ السرّيةَ الخاصةَ
بالرموزِ و الحروف، بالزمانِ و المكان.

الدميةُ رفعتْ حاجبيها الناعسين،
و لدهشتها، رأتْ أشكالاً و ألواناً تطفو
في عالمٍ من الأصوات، و بعدَ ذلك 
اجترأتْ خطوةً مترددةً فزِعة.

تدريجياً (و كما هوَ حالُنا) 
أصبحتْ الدميةُ سجينةً للشبكةِ المتذبذبةِ
لِـ قبل، بعدَ، أمسِ، أثناءَ، الآنَ، 
يمين، شمال، أنا، أنتَ، هم، الآخرون.

يهوديّ الكابالا الذي صنعَ هذا الإغماضَ
أطلقَ عليهِ اسمَ (الغولم)
(هذه الحقائقُ تُروى عن شولم
في إحدى المقاطعِ الحكيمةِ من مجلدِه)

الرابي اليهودي شرحَ للغولم أسرارَ الكون،
"هذه قدمي، هذه قدمُك، و هذا حبلٌ،"
تمرُ أعوامٌ و الغولم لم يتعلمْ 
من الرابي سوى أن يكنسَ السيناغوغ.

ربما الاسمُ المقدسُ نُطقََ خطأً
أو ربما كان نطقهُ خافتاً أو مُستعجلاً.
السحرُ القويّ لم يعطِ أبداً مفعولَهُ:
تلميذُ الانسانِ لم يتعلمْ أبداً النطق.

عيناهُ أقربُ للكلبِ من الانسان
بل أقربُ للشيءِ من الكلب،
بواسطتهما صارَ يلاحقُ كل حركةٍ يقومُ بها الرابي
في معتكفهِ المتجهمِ المظلم.

شيء فظٌ و غيرُ طبيعي كان في الغولم،
إذْ أنَّ قطة الرابي، بمجردِ أن تراهُ يتحركُ 
تهربُ مذعورةً و تختبئ (ليسَ هناكَ قطةٌ في مجلدِ شولم
و لكني اصطنعتُ واحدةً من وراءِ خليجِ الوقت.)

رافعاً يديه المضطربتين نحوَ إلهِه،
أخذ الغولمَ يقلدُ صلواتِ سيدهِ –حتى أتفهها-
أو بابتسامةٍ بلهاء ينحني كلياً
في سلاماتٍ مُحدودبة، كما يفعلُ الرجالُ في الشرق.

الرابي تأملَ مخلوقَهُ في حنانٍ مشوبٍ بالهلع
أخذَ يتساءلُ: "كيفَ أمكنني أن أحضرَ هذا المخلوقَ
المسكين في هذا العالمِ؟ كانَ من الأفضلِ
أن لا أعملَ شيئاً،

ما الذي دفعني كي أضيفَ إلى السلسلةِ غير النهائيةِ للرموزِ 
رمزاً آخراً؟ 
أن أضيفَ إلى خيطِ المغزلِ و هوَ ينحلُ بلا نهايةٍ
سبباً و نتيجةً؟"

في ساعاتِ عذابهِ و اضطرابِ نورِه،
تتوقفُ عيناهُ و تسرحانِ فوقَِ الغولم.
من ذا يخبرنا عن ما يجولُ في خاطرِ الله
و هو يتأملُ من أعلى عذاباتِ الرابي؟



قصيدة الغولم El Golem من أجمل قصائد بورخيس كافة، و هي تتشابه في موضوعها و نهايتها مع قصة بورخيس الشهيرة: الأطلال الدائرية The circular ruins. في الأطلال الدائرية، يقومُ أحد السحرة بالاعتكاف في أطلال دائرية الشكل (حيث الدائرة تدل على اللانهاية)، و أثناء اعتكافه، يقوم بالتركيز على خلق كائن من حلمه. بعد إخفاقات متكررة ينجح الخلق، إلا أن الساحر يخشى أن يهتدي ابنه المخلوق إلى سره (أنه لا يعدو أن يكون حلمَ شخصٍ آخر). في نهاية القصة، يقوم الساحر برمي نفسه في النار منتحراً، ليتفاجأ بأن النار لا تمسه بضرّ، و حينها يكتشف في هلعٍ أنه هو أيضاً حلمُ شخصٍ آخر.


يقولُ بورخيس في مقدمة مجموعته الشعرية التي تحوي قصيدة الغولم: "في إحدى المرات، و بينما كنتُ أزور لوبوك في تكساس، و على طرف الصحراء، سألتني شابة طويلة القامة إذا ما كانت قصيدة (الغولم) لا تعدو أن تكون مجرد تنويعة للقصة القصيرة (الأطلال الدائرية). أجبتها بأنهُ كان عليّ أن أعبرَ قارةً كاملة من أجل أن أحظى بمثل هذا الكشف الصادق. مع ذلك القطعتان الأدبيتان مختلفتان: القصة القصيرة تتحدث عن حالمٍ يكتشف أنه يُحلم، أما القصيدة فهي تخصُ علاقة الإله بالانسان، أو ربما الكاتب بعمله."

بورخيس كما هو معروف مولعٌ بالكابالا، الأساطير اليهودية التي تزعمُ أنّ للكلمات و الحروف قدرة الخلق. قرأ بورخيس أسطورة الغولم و رابي براغ (يهوذا ليون)، و منذ ذاك وهو مولع بهذه الأسطورة. تقول الأسطورة أن اليهود في براغ، زمن الإمبراطور الرماني رودلف الثاني، كانوا يتعرضون للاضطهاد و الطرد. من أجل حمايتهم قام الرابي يهوذا ليون بصنع الغولم، حيث جلب التربة من طين النهر، ثم أخذ يشكل الحروف بتركيبات لانهائية، حتى اهتدى على الاسم المقدس الذي يبعث الحياة في الدمية الطينية. بهذه الطريقة انبعث الغولم، و صار يحمي اليهود في حيهم. إلا أن الأسطورة تقول أن الغولم أصبح عنيفاً إلى درجة أن صار يقتل غير اليهود. أسطورة أخرى تقول أن الغولم أحبّ فتاة، و عندما لم تبادله حبه، أصبح عنيفاً. في الأخير ابتهل الإمبراطور نحو الرابي اليهودي يهوذا ليون كي ينزع الحياة من الغولم، و بالمقابل سيأمر بالتوقف عن اضطهاد اليهود. قام الرابي بمسح الحرف الأول من الكلمة المكتوبة على جبهة الغولم emet و التي تعني (حقيقة)، لتصبحَ met بمعنى (موت). منذها و الغولم يرقد كدمية في السيناغوغ (معبد اليهود)، حيث يمكن إرجاعه إلى الحياة في أي وقت.

استعمل بورخيس هذه الأسطورة ليعالج ثيمته المفضلة: اللانهاية، حيث الحالم محلوم، و الخالق مخلوق، و حيث يتمُ حركته الأخيرة لتحدث المفاجأة، فتصبح العلاقة ما بين الغولم و الرابي موازية للعلاقة ما بين الرابي و الرب (تقدسّ الله سبحانه عن أي تشبيه)، و ليظل المخلوق دائما أقل من الخالق، في هذه السلسلة غير النهائية من الخلق حسب أساطير الكابالا اليهودية. 

..







"الفارس، الموت، و الشيطان"

النسخة الأولى

تحتَ الخوذةِ غير الحقيقيةِ، تبدو السحنةُ القاسيةُ
متجهمةً كمثلِ السيفِ المتجهمِ
مترقبةً، متحفّزة. و عبرَ الغابةِ المخطّطة
يمضي الفارسُ رابطَ الجأشِ، غيرَ متطلعٍ للخلف.
من حوله، يطبقُ الرعاعُ القذرونَ
بتلصصٍ و خَرَق: الشيطانُ بعينيهِ الخانعتين، زواحفُ المتاهةِ،
و الكهلُ الرماديّ ذو الساعةِ الرملية. 
أيها الفارسُ الحديديّ، أياً كان من ينظرُ فيكَ
هو يعلمُ أنهُ لا مكانَ للكذبِ و لا للخوفِ 
في داخلِك. قدرُكَ القاسي
أن تأمرَ و أن تُهين. أنتَ صنديدٌ
و أنتَ بكلِ تأكيدٍ لستَ بتافهٍ،
أيها الألماني، يا ذا الشيطانِ و الموت.


النسخة الثانية

ها هنالك طريقان: ذاك الخاصُ برجلِ
الفولاذ و الصَلَفِ و هو يمضي 
صلباً في إيمانِه عبرَ غابات الشكّ في هذا 
العالمِِ ما بينَ سخريةِ و تراقصِ
الموتِ مع الشيطان،
و الطريقُ الآخرُ، الأقصرُ، طريقي.
في أيّ صباحٍ، أيّ ليلٍ ماضٍ سحيق،
اكتشفت عينايَ هذه الملحمةَ الرائعةَ؛
حلمَ دورير الخالد،
البطلُ و الغوغاءُ بكلِ ظلالِهمُ
وهم يفتشونني، و يوقعونني في مكمن؟
إنهُ أنا، و ليسَ البالادن، من يحذّرهُ 
الكهلُ الأشيبُ ذو الأفاعي الملتفة.
ساعةُ المستقبلِ المائيةُ تقيسُ وقتي،
و ليسَ وقتَهُ الأبديّ.
أنا هوَ من سيصبحُ رماداً و ظلاماً،
أنا، من شرعَ بالرحلةِ لاحقاً، و سأصلُ
إلى محطةِ فنائي. 
أنتَ، يا من لستَ بموجودٍ،
أنتَ، يا فارسَ السيفِ المُشهرِ
فارسَ الأدغالِ الصلبة،
سوفَ تبقى خطواتكَ ماضيةً
ما دامَ هناكَ رجالٌ رابطو الجأشِ،
خياليون، خالدون.


هذه القطعتان، من القصائد المفضلة لديّ، إذ أنهما تجمعان ما بين بورخيس و ألبرخت دورير. قرأتُ في مكانٍ ما (أعتقد أنهُ كتاب ألبرتو مانويل عن بورخيس) بأنّ بورخيس كان يعلّق هذه اللوحة (الفارس، الموت، و الشيطان) في غرفة نومه، فوق سريره مباشرة. فتنتي الصورة: بورخيس الشاعر شبه الأعمى، ذو البصر المتراخي، يعلقُ لوحةً دقيقة التفاصيل فوق سريره! لا بدّ أنها تعني الكثير له، و لا بدّ أنه كلما تطلعَ في خطوطها و ظلالها السوداء المتداخلة، رآها في كامل تفاصيلها، ليس أمامه، و لكن في ذاكرته،  داخل عقله.

أذكر أنني عندما قرأت هذه القطعتين لأول مرة، قبل أن أتعرف على فن و لوحات دورير، لم أفهمهما بالمرة. بعد أن اكتشفت أنه يتحدث عن لوحة، و بعد أن تعرفت على فن دورير البديع، صرتُ أفهم ولع بورخيس بهذه اللوحة. ذاك الولع الذي دفعه لتعليقها فوق سريره رغم تراخي بصره، و الذي دفعه إلى كتابة قصيدتين بخصوصها.

يختلف نقاد الفن في تفسير لوحة دورير، إذ يزعم بعضهم أنها تخصُ نهاية فرسان المعبد Knights Templar ، عندما تآمر الملك فيليب الرابع مع البابا كليمنت السابع للإيقاع بهم، و رميهم بالهرطقة، و إحراقهم أحياءً. يزعمون أن الفارس هو جاك دي مولي Jacques de molay ، آخر رئيس لفرسان المعبد، و الذي أحرق حياً في باريس.. و أن الملك فيليب هو الكهل الممسك بالساعة الرملية، و أن البابا كليمنت هو الماعز/ الشيطان.

بورخيس لا ينظر إليها هكذا، و إنما ينظر إليها بصورتها العامة، بما تقدمه من أمثلة archetypes : الفارس و الموت و الشيطان. بهذا التفسير تصبح اللوحة أكثر عمومية، و بهذه الطريقة يقع الرائي في الكمين، فإذا بهِ الفارس و هو يمضي بلا محالة نحوَ موتٍ محتّم.

في القطعة الأولى، يطيب لبورخيس أن يتغنى بهذا الفارس، الذي يمضي في طريقه غير حافل بالغوغاء (الشيطان و الزواحف و الموت)، كما هو قدر الفنان، حين يمضي في طريقه غير عابئ بالنقاد و الشائنين.

في القطعة الثانية، و التي أعدها أجمل، يلعب بورخيس على ثيمة الفناء و الخلود، فتصبح تحذيرات الموت و هو يمسك بالساعة الرملية (أو المائية) غير ذات معنى بالنسبة للفارس، إذ أنه خالد داخل اللوحة. و لكن التحذيرات تطال الرائي خارج اللوحة، إذ أنها تذكره بفنائه و موته.

و لكن هل هذا ينطبق على بورخيس؟ بورخيس يعلم أنه سيموت، و لكنه يعلمُ أيضاً أنّ قصصه و قصائده سوف تبقى تُقرأ و تُتجر أبدَ الدهر ما دام هناك قراء و محبون للأدب. لهذا، يغدو بورخيس مخاطبا نفسه (في سلسلة أبدية) عندما يقول:


"أنتَ، يا فارسَ السيفِ المُشهرِ
فارسَ الأدغالِ الصلبة،
سوفَ تبقى خطواتكَ ماضيةً
ما دامَ هناكَ رجالٌ رابطو الجأشِ،
خياليون، خالدون."

هل أستطيع أن أغير المقطع الأخير ليصبح:


"أنتَ، يا حارسَ كتاب الرمل،
يا رجلَ المتاهةِ و المُطلق،
سوف تبقى خطواتكَ ماضيةً
ما دام هناك قراءٌ 
و كانت هناكَ كُتب."


..


الوردة غير المنتهية
إلى سوزانا بومبال

في العامِ الخمسمائة من الهجرة
نظرتْ فارسُ من أعلى مناراتها
نحوَ صحراءِ الرماحِ الغازية،
و حدّق عطارُ نيسابور في وردة
مخاطباً إياها بكلماتٍ ليس لها صوت،
كما يفعلُ المفكر، لا المصليّ:
"جُرمكِ المدوّرُ يملأُ راحةَ يدي، و الوقتُ
يحني كلاً منا، و كلانا لا ندري،
هذا المساءَ، في هذه الحديقة المنسيّة.
شكلكِ الهشّ رطبٌ في الهواء.
و مدّ عبقكِ المتواصل يرتفعُ باتجاهِ
وجهي المضمحل الكهل.
و لكني أعرفكِ أكثرَ من ذاكَ الطفلِ الذي
لمحكِ ما بين طبقاتِ الحلمِ
أو ها هنا، في الحديقةِ، ذاتَ صباح.
بياضُ الشمسِ ربما كانَ لكِ
و لربما أيضاً ذهبُ القمر، أو الصبغةُ القرمزية
التي تعلو حدّ السيفِ ما بعدَ النصر.
أنا أعمى و لا أعرفُ شيئاً، و لكني أرى سُبلاً أخرى؛ 
و كلُ شيءٍ هو لانهايةٌ من الأشياء. 
أنتِ موسيقى، أنهارٌ، قبابُ فلكٍ، قصورٌ، ملائكة،
آهٍ أيتها الوردةُ غير المنتهية، حميمةٌ و بلا حدود،
في النهاية سوفَ يظهركِ اللهُ أمامَ عينيّ المُطفئتين."



في هذه القصيدة، يستعير بورخيس شخصية فريد الدين العطار ليتحدث باسمه. فريد الدين العطار كما هو معروف هو أحد كبار شعراء فارس، و لقد قيل أن جلال الدين الرومي أحضر له أثناء صباه فتنبأ فريد الدين بنبوغه. للعطار كتاب شهير يُدعى "منطق الطير".. يحكي اجتماع الطيور و عزمها البحث عن الطائر الأسطوري "السمورغ" كناية عن الله. تعتذر بعض الطيور و تتقاعس عن الرحلة، أما البقية فتبدأ بالتساقط مع كل مرحلة، حتى لا يصل بالأخير إلا ثلاثين منها، لتكتشف بالأخير أنها جزء من السمورغ، في لعبة لفظية على اللغة الفارسية، حيث يمكن تجزيء كلمة السمورغ لتعني "ثلاثين طيراً".

استخدم بورخيس منطق الفناء في ذات الخالق هذا، و فلسفة إسبينوزا التي ترى في كل شيء مرآة لله، لتصبح الزهرة التي يخاطبها كل شيء، و رمزا لله ذاته، و لهذا يتمنى بورخيس أن يرى في الأخير هذه الزهرة المستحيلة، هذه الزهرة غير النهائية، أن يريها له الله، أن يريها عينيه المنطفئتين.

لا أدري إن كان سبق لأحدهم أن أشار لما سأقوله الآن أم لا.. و لكني و بوضوح أستطيع أن أقول أن بورخيس من أهم الشعراء الصوفيين، و أنه رغم ما يزعمه من لادينيته قضى عمره كله يبحث عن الله في المطلق و اللانهائي.

..

ألكساندر سيلكيرك

أحلمُ بالبحرِ، ذاكَ البحر، الذي يحاصرني
و من الحلمِ تنقذني أجراسُ اللهِ التي
تباركُ و تعمّدُ صباحاتِ 
هذه الأريافِ الإنجليزية.
لخمسِ سنواتٍ كنتُ أعاني، متطلعاً في الخالدِ
صورٌ من اللانهايةِ و الوحدة، 
لتتحولَ الصورُ إلى هذه القصةِ التي 
أعيدها كالوَسواسِ في الحانات.
أرجعني اللهُ إلى عالمِ الناس،
إلى المرايا و الأبواب و الأرقام و الأسماء،
و لم أعدْ ذاكَ الرجلَ الذي تطلعَ بلانهايةٍ
في البحرِ و في أفقهِ العميق الجَدب.
و لكن الآن، ماذا يجبُ أن أصنعَ 
كي يدركَ ذاكَ الرجلُ أنني وصلتُ ها هنا، 
سالماً، معافىً، بينَ بني جنسي؟



ألكساندر سيلكيرك بحار سكوتلندي، عاش في القرن السابع عشر الميلادي. تُرك ألكساندر وحيداً في جزيرة خوان فيرنانديز لمدة أربع سنوات، و السبب لأنه كان يملك شكوكا حولَ صلاحية سفينتهم للإبحار. عندما رفض ألكساندر ركوب السفينة، أبحرت السفينة تاركة إياه وحيدا في الجزيرة، لتصدق توقعات ألكساندر فيما بعد و تغرق السفينة. بقي ألكساندر لمدة أربع سنوات في الجزيرة وحيداً، إلى أن أُنقذ بواسطة سفينة الديوك، ليرجع إلى إنجلترا و يكتب عن تجربته الفريدة. يُقال أن دانييل ديفو اعتمد على مذكرات سيلكيرك كمصدر أساسي لروايته روبنسون كروزو.

هنا يستخدم بورخيس هذه الشخصية التاريخية بذكاء لمعالجة ثيماته المحببة. يتحدث بورخيس على لسان سيلكيرك بعد رجعته إلى إنجلترا، حيث يتواجد مع بشر مثله، و لكنه لا يستطيع أن يتخلص من شراك اللانهاية و الخلود. في كل ليلة يحلمُ بالبحر، نفس البحر الذي كان يحوّطه في الجزيرة، إلى أن يستيقظ فزعا على قرع أجراس الكنائس. رغم أن الحياة اليومية تمتلئ برموز متعددة لما هو لانهائي: كالأرقام و الاسماء و المرايا.. إلا أنّ سيلكيرك يبقى عاجزا عن الخروج من شراك تلك اللحظة التي جلس فيها وحيدا على شاطئ الجزيرة و تطلع في الخالد. مخلوق فانٍ لا يُفترض به أن يدخل في علاقة متكافئة مع الخالد، و لذا و رغم رجوعه إلى إنجلترا، إلا أنّ ذاته الحقيقية تبقى أسيرة و عالقة في تلك الأبدية، حيث تجلسُ متطلعةً في العباب و الزرقة.



..

قصيدة العنصر الرابع

الإلهُ الذي حاصرهُ جنديٌ من سلالةِ (آتريوس)
على طولِ ساحلٍ تحرقهُ الشمسُ،
تحوّل على التوالي: أسداً، تنيناً، نمراً، شجرةً،
و بعدَ ذلك تحوّلَ ماءً، إذ أنّ الماءَ (بروتيوس).

إنهُ السحابةُ غيرُ المتكررةِ، مجدُ 
غروبِ الشمسِ و هي تصبغُ الأفقَ حمرةً؛
إنهُ الإعصارُ يقلبُ صفحةَ الجليدِ دواماتٍ،
و هو الدمعةُ عديمةُ الجدوى، أريقها حينما أذكرك.

إنهُ –في أساطيرِ الخلقِ- النبعُ السريّ الذي
يغذي الأرضَ، و هو النارُ التي تلتهمُها،
إنهُ نبعُ القوى التي تحكمُ الفجرَ و الريحَ الغربيةَ.
(أو هكذا يزعمُ سينيكا و ثالوس الميلتيسي.)

البحرُ، و الجبالُ المتحركةُ التي تحطّمُ
السفنَ الحديديةَ هي فقط بعضُ تنكراتِك،
و كذلك الوقتُ الذي يجرحُنا و يمضي،
إنهُ –يا ماءُ- إحدى استعاراتِك.

تحتَ الريحِ المزمجرة، كنتَ متاهةً
بلا نوافذ و لا جدران، حيثُ أضاعتْ
دروبكَ الرماديةُ عوليسَ و رمتهُ
ما بينَ الموتِ و بينَ تقلّبِ البخت.

أنتَ تلمتعُ، كنصلِ سيفٍ قاسٍ صقيل،
تأخذُ أشكالَ الأحلامِ و الكوابيسِ و الوحوش.
إليكَ تَنسبُ ألسنةُ الناسِ عجائبَ مختلفة.
لحظاتُ هروبِكَ تسمى: الفرات و الجانجس.

(يقولونَ أنهُ مقدسٌ، ماءُ الأخير،
و لكن و بما أنّ البِحارَ تعملُ بطرقٍ سريّةٍ
و كوكبنا ذو مسامٍ، لربما كانَ من الممكنِ أن نزعمَ
أنّ كل رجلٍ اغتسلَ مرةً في نهر الجانجس.)

دي كوينسي، وسطَ لجّةِ أحلامِه،
رأى بحارَكَ مذرورةً بالأوجهِ و الشعوب.
لقد لطّفتَ من ألمِ الأجيالِ.
و غسلتَ جثةَ والدي، و المسيح.

يا ماءُ، أسألكَ معروفاً. عبرَ هذا النظمِ
الكسولِ من الكلماتِ المصفوفةِ أتحدثُ إليك.
تذكّر بورخيس –صديقَك- الذي خاضَ فيك.
كن متواجداً فوقَ شفتي في لحظتي الأخيرة.

هذه القصيدة من أكثر قصائد بورخيس رقّةً، و هنا تأتي المفارقة، إذ أنها ليست عن حبيبةٍ و لا أقارب، و لكنها عن الماء! الماء هو العنصر الرابع، حيثُ التراب و الهواء و النار هي العناصر الثلاثة الباقية، يختارهُ بورخيس كي يكون موضوع قصيدته.

الماءُ هنا لا يمكن الإمساكُ به، إذ أنه بروتيوس، إله التحولات. حسب الأوديسة، عندما أراد مينيلاوس (ابن آتريوس) الرجوع من طروادة إلى مملكته في إسبارطة، تحطمت سفنه في مصر، و لم يدرِ كيف يعود، إلى أن حاصر إله الماء (بروتيوس) على الشاطئ كي ينتزع منه السر الذي يمكنه الإبحار برجاله، و لكن بروتيوس كي يفلت من أسر مينيلاوس تحوّل أسدأ و تنينا و نمرا و شجرة، و من ثمّ اتخذ هيئته الأصلية: الماء.

اللانهاية هي أحد أكثر المواضيع شعرية لدى بورخيس، و لذا يحبُ أن يلعب بها ليستمتع بإحساس الدوار الذي تلحقه به. الماءُ هو السحابة التي لا تتكرر، و لكنه في نفس الوقت يدور في دورات متلاحقة ما بين الأرض و السماء، و لذا يمكن الزعم أن كل شخص اغتسل بماء نهار الجانجس.

بورخيس لا يحبُ التصريح بمشاعره العاطفية، و لذا نادرا ما يكتب قصيدة حب، و لكنه هنا يضعف ليقول عن الماء في أحد أكثر بيتوته عذوبةً:

و هو الدمعة عديمة الجدوى، أريقها حينما أذكرك.

و لكن أكثر أبيات القصيدة عذوبةً هو نهايتها، عندما تتحولُ جميع الأبيات السابقة إلى ابتهالٍ و صلاة، ليخاطب بورخيس الماء بلغةٍ تفيض عذوبةً و رقّّة:


Agua, te lo suplico. Por este sonoliento
Enlace de numericas palabras que te digo.
Acuerdate de Borges, tu nadador, tu amigo.
No faltes a mis labios en el postrer momento.


يا ماءُ، اسألكَ معروفاً. عبرَ هذا النظمِ
الكسولِ من الكلماتِ المصفوفةِ أتحدثُ إليك.
تذكّر بورخيس –صديقَك- الذي خاضَ فيك.
كن متواجداً فوقَ شفتي في لحظتي الأخيرة.


..


هنجست يريد رجالاً
( 499 قبل الميلاد)

هنجست يريدُ رجالاً.
سوفَ يزحفون من تخومِ الرملِ الممتدِ إلى أن يتماهى بالبحرِ، يزحفونَ من أكواخٍ يملأها
الدخانُ، من أصقاع باليةٍ، من غاباتٍ عميقةٍ تسكنُها الذئابُ و يعشعشُ وسطَها الشرّ.
الفلاحونَِ سوفَ يتركونَ محاريثَهم، و الصيادون يتركونَ شبكاتِهم.
سوفَ يتركونَ زوجاتِهم و يتركونَ أولادَهم، إذ أنَّ الرجلَ يعلمُ أنهُ في مكانٍ ما تحتَ جنحِ الليلِ يمكنُ أن يلتقيَ بالأولى و أن ينجبَ الثاني.
هنجست المُرتزق يريدُ رجالاً.
يريدُهم كي يُخضعَ جزيرةً لم تُدعَ بعدُ بإنجلترا.
سوفَ يتبعونهُ شرهينَ آثمين.
يعرفونهُ جيداً: أنهُ كان الأولَ دائماً في القتال.
يعرفونَ أنهُ ذاتَ مرةٍ نسيَ قسمَ ثأرٍ اجترأهُ، و أنهم أعطوهُ سيفاً مُصلتاً، و أنَّ السيفَ فعلَ فعلتَه.
سوفَ يختبرونَ مجاديفِهم ضدّ البحرِ، بدونَ بوصلةٍ أو صارية.
سوفَ يحملونَ سيوفاً و تروساً، خِوذاً بشكلِ رؤوس الدببة، تعاويذَ تجعلُ حقولَ الذرةِ تتضاعفُ، أساطيرَ خلقٍ غامضة، قصصاً عن قبائلِ الهون و القوط.
سوفَ يُخضِعونَ الحقولَ، و لكنهم لن يدخلوا المُدنَ التي تخلّى عنها الرومان، إذ أنها أشياءُ معقدةٌ على أذهانهِم البدائية.
هنجست يريدهم من أجلِ النصر، من أجلِ السلبِ و النهب، من أجلِ إفسادِ اللحم، من أجل النسيان.
هنجست يريدهم (و لكنهُ لا يعلمُ ذلك) من أجلِ تأسيسِ أعظم إمبراطوريات الدنيا، من أجلِ غناءِ شكسبير وَ وايتمان، من أجلِ أن تحكم سفنُ نيلسون البحر، من أجلِ أن يُطردَ أدمُ و حواء –صامتين، يداً بيدٍ- من الجنةِ التي فقداها.
هنجست يريدهم (و لا يعلمُ ذلك) من أجلِ أن أكتبَ هذه الحروف.




هنا يستكمل بورخيس ولَعة بالأساطير الأنجلوساكسونية، فيستمدُ بطله من التاريخ القديم: هنجست و أخوه هورسا Hengist and Horsa . ترجع هذه الحادثة إلى السنة الأربعمائة و التسعة و تسعين قبل الميلاد، حينما قاد هنجست القبائل الآنجلوساكسونية (الجرمانية) إلى بريطانيا ليحارب الإسكوتلانديين البكتز. انتصار هنجست في تلك المعركة التي قتل فيها أخوه هورسا ترتب عليه قيام المملكة الآنجلوساكسونية، و التي وُلدت منها اللغة الإنجليزية، و كانت مقدمة لنشوء بريطانيا على شكلها الحالي.


هل كان يخطرُ في بال هنجست المقاتل المُرتزق أن انتصاره البسيط ذاك سيكون سبباً لنشوء اللغة الإنجليزية (لغة شكسبير وَ وايتمان)، اللغة التي أنشأ بها جون ميلتون ملحمته (الجنة تُفقد) ليحكي عن خروج آدم و حواء من الجنة بعد أكلهما من الشجرة المُحرمة. تشابك الأقدار بهذا الشكل الشائك وغير المنتظر هو الفكرة الجمالية التي يعالجها بورخيس، فيأخذها إلى أبعد حدودها عندما يقول أنه لولا انتصار هنجست في تلك المعركة لما كتب بورخيس هذه القصيدة.

..

تاريخُ الليل

مروراً عبرَ الأجيالِ
بنى الرجالُ الليل.
في البدايةِ كانَ العمى و النومَ
و أشواكاً تشُقّ القدمَ العاريةَ
و الخوفَ من الذئاب.
لن نعرفَ أبداً من شكّل الكلمةَ
لتدلَّ على الظلِ الفاصلِ
ما بينَ غسقين.
لن نعرفَ أبداً في أيّ قرنٍ استُخدمَ كشفرةٍ
للفضاءِ الممتدِ ما بينَ النجوم.
أشخاص آخرون اختلقوا الأسطورة:
جعلوا الليلَ أماً للسيدات الثلاثِ اللاتي
يغزلنَ القدر،
و ضحّوا من أجله بأغنامٍ سوداءَ 
و بالديكِ الذي يتنبأُ بنهايتِه.
المشعوذون وهبوهُ إثنى عشرَ بيتاً؛
عوالمَ لانهائيةٍ، وهبوهُ البوابة.
مسطّراتُ هوميروس السداسيةُ أعطتهُ شكلاً
و باسكال أودعَ فيه رعبَه.
الراهب لويس دي ليون رأى فيه وطناً
لروحِه الوَجِلة.
أما الآنَ فإننا نشعرُ بعدمِ فنائه، بأنهُ غير مستهلكٍ
كالخمرِ العتيقةِ،
و لا أحدَ يستطيعُ أن يتأملَهُ دون أن يصابَ بدوارٍ،
و الوقتُ أودعَه خلوداً.

.. لتظنَ -بعدَ هذا- أنهُ لن يوجدَ
إلا لهذه الأدواتِ الضعيفةِ: العيون!



هذه القصيدة هي عنوان لأحد دواوين بورخيس المتأخرة، بعدَ أن أصيب بضعف البصر، في الحقبة التي ترك فيها القصص و عاد إلى الشعر. يسمي بورخيس قصيدته تاريخ الليل History of the night ليعالجَ مفهوم الليل عبر الأجيال المتلاحقة. بورخيس مغرم بتاريخ اللغات و قوى الأسماء، و كما تساءل في قصيدة سابقة عن الرجل الذي أطلق على (القمر) هذا الاسم أول مرة، هو هنا يتساءل عن التاريخ السحيق لكلمة (الليل).. ما الذي دفع الإنسان الأول (و ربما غير الأول) كي يختار إطلاق اسم على ما هو عدم و فراغ و سالب؟


في البداية (زمن الإنسان البدائي) كان الليل مرادفاً للظلمة و عدم الأمن (الأشواك و الذئاب)-- إنه الوقت الذي يرجع فيه الصياد البدائي إلى كهفه. مع الوقت، تطوّّر هذا المفهوم ليتحول من مفهوم زماني إلى مكاني: فيصبح الفضاء الأسود الممتد بين النجوم! ليس هذا فحسب، بل إن الإنسان مغرم بخلق الأساطير التي تعطي تفسيراً للظواهر الطبيعية، فجعله الإغريق أٌماً للـ Fates اللاتي يغزل قدر الانسان، لتقوم ثالثتهنّ بقطعه بالأخير. ما الذي دفعَ العلماء القدماء (المشعوذين Chaladeans ) لأن يقسموا اليوم إلى أربعة و عشرين ساعة، ليهبوا الليل إثنتي عشرة ساعة منها (إثنى عشر بيتا). ينتقل بورخيس في رحلته الثقافية لمفهوم الليل عبر أصدقائه المحببين، فيشير إلى أن هوميروس في الإلياذة جعل الليل أحد الآلهة حين يقول (أن الفجر يصحو بأصابع وردية)-- و يشير إلى الفيلسوف باسكال الذي زعم أن إله إبراهيم زاره على شكل نارٍ في الليل، و يشير أيضا إلى الشاعر لويس دي ليون الذي جعل من الليل وطنا لروحه.

بعدَ كل هذا، هل يحق لبورخيس أن يزعم أن الليل ما كان ليوجد إلا كظاهرة بصرية تعتمد على العينين (اللتين فقدهما بورخيس تدريجياً)؟ بالطبع لا.. و هذا هو عزاء بورخيس.

..

زهرة و ميلتون

من كلِ أجيال الزهور السابقة،
و قد تفسخت في قاعِ الوقت،
أريدُ لواحدةٍ أن تُعفى من النسيان-
زهرة واحدة عادية من ضمن كل الأشياء
التي تواجدت ذاتَ مرة. أريدُ للقدرِ أن يهبني
حظوةَ الاختيار، للمرةِ الأولى،
تلك الزهرة الصامتة، الزهرة الأخيرةُ التي
أمسك بها ميلتون قبالةَ وجهه، دونَ أن يستطيعَ
رؤيتَها. آهٍ أيتها الزهرة، قرمزية أو صفراء 
أو بيضاء، من حديقةٍ ما متلاشية، 
وجودكِ الماضي يستمرُ كسحرٍ 
و يتلامعُ للأبدِ في هذا الشعر،
ذهبيةً أو مطليةً بالدم، عاجية أو محجوبة بالظل،
كما كنتي ذاتَ مرةٍ بين يدي ميلتون، أيتها الزهرة غير المرئية.

جون ميلتون هو أحد أشهر الشعراء الإنجليز، و مؤلف ملحمة (الفردوس المفقود) أو (الجنة تُفقد) كما أحب أن أترجمها. من المعروف أن ميلتون فقد بصره في أواخر حياته، كما أن حظوته الإجتماعية سقطت بعد انهزام بطله الثوري كرومويل، و لهذا عاش حياة عزلة كئيبة، لا تخففها إلا الكتب و القصائد التي كانت إحدى بناته تقرأها عليه.

لذا من الطبيعي أن يتعاطف بورخيس مع ميلتون، فهما يتشاركان في العمى و الشعر، و أن يصطنع هذه الزهرة الأسطورية التي لا أدري هل هي من صنع و خيال بورخيس أم أنها تستند على حادثة معينة ذكرت في سيرة حياة ميلتون. أيا كان الأمر، لقد أضفى بورخيس شعرية هائلة إلى هذه الزهرة التي استطاع أن يلمسها و أن يشمها -عبر خليج الوقت- دون أن يستطيع رؤيتها.

ترجمة و تعليق: عدي الحربش

الأربعاء، 8 مايو، 2013

موبي ديك



قبل أربع سنوات، اشتريتُ من إحدى مكتبات أوتاوا نسختي الخاصة من رواية ميلفيل الشهيرة موبي ديك. كانت نسخة فاخرة، التجليد سميك، و الصفحات مزينة برسومات روكويل كينت Rockwell Kent ، ذاك الرسام الأمريكي الذي ترك بصمته الواضحة في تخيلنا للقبطان إيهاب و الحوت الأبيض و إسماعيل و كويكويك. لم تكن تلك النسخة هي الأولى التي ابتاعها للرواية الشهيرة، فلقد سبق أن اشتريت الترجمة العربية بواسطة الدكتور إحسان عباس قبل خمس عشرة سنة من أحد معارض الكتاب بالرياض غير أني لم أقرأها. كما سبق أن اشتريت نسخة انجليزية رخيصة أظنها كانت بخمسة ريالات غير أني لم أقرأها أيضاً. لم أكن في ذلك الوقت جاهزا لغويا و لا معرفيا كي أقرأ الرواية و أعطيها حقها، تماماً كما كان تشيخوف يؤجل قراءة الجريمة و العقاب حتى يصبح جاهزا لها. كنتُ قد سمعتُ بوعورة الرواية و امتلائها بفقرات التحويت و المعلومات الموسوعية التي لا تخدم الحبكة، إلا أني أيضا كنتُ أدرك أهمية الرواية و قيمتها في التراث العالمي و الأمريكي بشكل خاص. لقد قال أحدهم أن موبي ديك لم تكن لتكتب إلا في أمريكا و في القرن التاسع عشر تحديداً. أما البروفيسور هارولد بلوم فلقد قال: "إذا كان هاملت و دون كيخوته هما من يمثلان الهوية الأوروبية، فإن والت ويتمان و القبطان إيهاب -بلا شك- هما من يمثلان الهوية الأمريكية."

واحدة من الأفكار التي كانت تسحرني هي الآتي: أن سفينة الباقوطة Pecqoud ما زالت راسية على ميناء نينتاكيت، تنتظرني، منذ أن كتب ميلفيل روايته في القرن التاسع عشر، رغم أنها أبحرت ملايين المرات من قبل و غرقت وسط المحيط، إلا أنها تنتظر كل قارئ جديد على ميناء نينتاكيت، و بمجرد أن يفتح ذلك القارئ غلاف الكتاب سوف تبحر للمرة الأولى معه، و سوف تطارد موبي ديك، و سوف تغرق في المحيط في الأخير. هذه هي ميزة هذا الكتاب، إنها رحلة، تنتظرك، و كما أن الواحد منا يتكلف شططا كي يختار المركب الأجود الذي سيقله، الأحرى بنا إذن أن نختار الكتاب الأفضل الذي سنبحر فيه خلف موبي ديك. لهذا السبب- عندما رأيت نسخة الـ Modern Library قبل سنتين برسوماتها الجميلة و تجليدها الفاخر قلت لنفسي: "إذا كنتُ سأقرأ الرواية أخيرا فلا بدّ أن أقرأها في هذه النسخة." لهذا السبب أيضا أنصح كل من يجيد اللغة الإنجليزية أن يقرأ الرواية بلغتها الأم بدل اللجوء إلى الترجمة العربية. 

الكل يعرف شيئاً عن هذه الرواية. الكل يعرف أنها تبدأ بتلك العبارة الشهيرة : "نادوني بإسماعيل Call me Ishmael." الكل يعرف أن بطلها هو القبطان إيهاب، ذلك القبطان المجنون الذي يبحر خلف الحوت الذي قضم رجله، موبي ديك، و الكل يعرف أن هذه الرحلة محكومة بالدمار. الكل أيضاً يعرف أن الأمور ليست كما تبدو عليه، و أن الحوت رمز لشيئ ما، و أن النقاد أشبعوا هذا الشيء درسا و اقتراحاً و تنظيراً إلى أن قال أحد المعلقين هازلاً: "لا تقل أبداً أي شيء عن أي كتاب يمكن لرجل متزن أن يقوله. على سبيل المثال، افترض أنك تدرس موبي ديك. أي شخص متزن سوف يقول أن موبي ديك هو ذاك الحوت الأبيض الكبير، إذ أن شخصيات الرواية تسميه الحوت الأبيض الكبير ما يقارب الإحدى عشرة ألف مرة. و لذا، في بحث تخرجك يجب أن تقول أن موبي ديك هو في الحقيقية جمهورية إيرلندا. البروفيسور الذي يشرف على رسالتك سوف يعتقد أنك بالغ العبقرية."



ضحكت كثيراً عندما قرأت التعليق السابق، و لكن الأمور ليست بهذا التعقيد و لا بهذا الاستغلاق، لقد كان ميلفيل واضحاً و مباشرا عندما تحدث بلسان القبطان إيهاب عن ماذا يعني له الحوت. هذا الوضوح و هذه المباشرة هما مزيتان أحمدهما لميلفيل و أعدهما شرطا أساسيا في تمييز المؤلف الجيد من السيء: المؤلف الجيد يحمل فكرة واضحة وعميقة و يريد أن ينقلها إلى القارئ، المؤلف السيء يحس أنه يحمل فكرة ما و يقوم بالتعمية على هذه الفكرة لأنه لا يستطيع أن يسيطر عليها أو أن يتبينها. يقول هيرمان ميلفيل على لسان القبطان إيهاب متحدثا عن الحوت الأبيض في الفصل الأكثر إثارة The Quarter-Deck: "اسمع و لمرة ثانية،-تلك هي الطبقة السفلى المختبئة. كل الأشياء المرئية -أيها الرجل- لا تعدو أن تكون قناعا من الورق المقوّى. و لكن في كل حادثة- وسط الحدث المُعاش، الفعلة اليقينية- ها هنالك شيء غير معلوم و لكنه مُفكِر مُدبِّر، إنه يخفي قالب ملامحه و يشكلها خلف ذلك القناع الغير عاقل. لو أراد الرجل أن يضرب، فليضرب عبر القناع! كيف للسجين أن ينفذ إلى الخارج عدا أن يرتمي عبر الجدار؟ بالنسبة لي، الحوت الأبيض هو ذاك الجدار، دُفع قريباً من وجهي. أحيانا أفكر أنه لا يوجد شيء وراءه. و لكن ها هنالك كفاية. إنه يرهقني، يضع فوقي الأحمال، أرى فيه قوةً شنيعة مُفرطة، إضافةً إلى حقد هائل ينفخ فيه. ذاك الشيء الغامض هو ما أكره، و سواء أكان الحوت الأبيض عاملاً أم أساساً، سوف أصبُ عليه جام غضبي."




القبطان إيهاب هو أكثر شخصية مهرطقة Blasphemous في تاريخ الأدب. لا يتحدث ميلفيل عن قناعات بطله الدينية بطريقة مباشرة، لا ندري هل هو ينكر الإله أم يؤمن به، هل هو يؤمن بإله واحد أم بآلهة مختلفة. عندما يريد أن يوجه لعنة إلى السماء يقوم بتوجيه اللعنة إلى (الآلهة)، هكذا، بصيغتها الجمع الكلاسيكية اليونانية، هو لا يؤمن بها يقينا، و لكنه يحتاج إليها كي تكون هدفا للعناته. كتبتُ مؤخراً قصة بعنوان "اختفاء الحاكم بأمر الله" و كم كانت دهشتي كبيرة حينما تبينت الملامح المشتركة بين قصتي و رواية ميلفيل. كلا النصين يستخدمان قصة النبي يونس كركيزة لإيصال رسالتيهما، هذا ما حسبته الرابط الوحيد الذي يربطهما، و لكني عندما استكملت الرواية إذا بي ألمح شبها كبيرا بين الحاكم الذي اختلقت و بين القبطان إيهاب. الحاكم في قصتي مشغول بقضية النسق و الفوضى و أهميتهما بالنسبة لإيمانه، و هذه مسألة أساسية في رحلة إيهاب الميتافيزقية خلف الحوت الأبيض. في وسط الرواية، في فصل غير مشهور بعنوان "أبو الهول The Sphynx" يوجه القبطان إيهاب خطابه إلى رأس حوت عنبر عُلق على طرف السفينة فيقول: "لقد مضيتَ إلى حيثُ لا جرس و لا غواص يمكن أن يمضي، لقد نِمتَ إلى جانب بحارة غرقى عديدين كانت أمهاتهم على استعداد لدفع حياتهنّ من أجل أن يوارين جثمانهم. لقد رأيتَ العاشِقين يقفزان و هما يطوقان بعضهما من السفينة المشتعلة، قلبا لصقَ قلب، غاصا تحت الموجة المبتهجة، وفاءاُ بحق بعضهما، من بعد أن تنكرت السماء لهما. لقد رأيتَ البحار المغدور يُلقى بواسطة القراصنة من مقدمة سفينة الليل، لساعات أخذ يغوص وسط ليل الحوصلة النهمة، في الوقت الذي يبحر فيه قتلته دون ضرر-- في الوقت الذي تضرب فيه البروق و العواصف سفنا مجاورة كانت ستنقل زوجا وفيا إلى ذراعي زوجته المتنظرة. آهٍ أيها الرأس! لقد رأيتَ ما من شأنه أن يقصم الكواكب و يجعل من النبي إبراهيم كافراً، و رغم ذلك لا تتفوه بحرف!"


القبطان إيهاب شخصية مفكرة قلقة، يرى الفوضى خلف وشاح النسق، ثم يكون هو نفسه ضحية لهذه الفوضى فينهش الحوت الأبيض قدمه -هكذا- بدون مبرر أو تفسير. نفسه تمتلئ حنقا و حقداً تجاه هذه الإرادة الخفية التي تحرك الكون، سواء أكانت إلها أم آلهة أم الطبيعة نفسها. هو يستطيع أن يتبين العقل المدبر غير أنه لا يراه إلا من خلف قناع الطبيعة. هو يقف عاجزاً في معركته هذه غير المتكافئة. يريد أن يسدد ضربة إلا أن خصمه غير موجود. لهذا السبب (يستخدم) القبطان إيهاب الحوت الأبيض. إن موبي ديك -الحوت الأبيض- لا يعدو أن يكون رمزا جسمانيا ضرورياً كي يستطيع القبطان إيهاب تسديد طعنته إلى تلك الإرادة المدبرة. لهذا السبب أعدُ هذه الرواية أكثر الروايات هرطقةً Blasphemous ، إنه القبطان إيهاب يريد أن يوجه طعنة إلى الله من خلال الحوت، و لهذا السبب أيضا أعتبر هذه الرواية أكثر رواية إيمانية، لأن القبطان إيهاب و البيكواد و من عليها سوف يغرقون في النهاية. 

أكثر ما يعجبني في هذه الرواية هو مخالفتها لكل ما هو معتاد. قرأت الكثير من روايات القراصنة و مغامرات البحر (جزيرة الكنز، تمرد في السفينة باونتي، ذئب البحار، القبطان بلود، ... إلخ) في كل مرة كان البحارة هم من يثورون على القبطان و يختطفون المركب و يغيرون غرض الرحلة، في موبي ديك كان القبطان هو من اختطف السفينة رغم أنف البحارة و المساعدين كي يغير غرض الرحلة و يحوله من هدفها البرئ الأساسي المتمثل بجمع زيت العنبر إلى هدفها الميتافيزيقي المهرطق: توجيه طعنة إلى الإرادة المحركة للكون. ستاربك (مساعد القبطان الأول) كان الشخصية الوحيدة التي أدركت الهدف الميتافيزيقي من وراء الرحلة، لقد كانت هذه لعنة ستاربك. كل البحارة الآخرين كانوا يعتقدون أن إيهاب يريد توجيه طعنة للحوت الذي قضم ساقه، و بما أن السفينة انطلقت لصيد الحيتان فلا ضير من اصطياد الحوت الأبيض موبي ديك. حاول ستاربك عدة مرات أن يتمرد على القبطان إيهاب أو أن يثنيه عن عزمه، بل فكر في إحدى المرات أن يقتله، و لكن إرادته كانت أضعف من أن تحسم الأمر، من هنا عقد الكثير من النقاد مقارنة ما بين ستاربك و هاملت، الأمير الدينامركي المتردد. على فكرة، سلسلة المقاهي الأمريكية الشهيرة ستاربك Starbuck تستعير اسمها من هذه الشخصية الروائية المغمورة.

كثير من القراء لا يتنبه إلى الطبيعة الخارقة (الفانتازية) للرواية، و السبب قد يعود إلى ثقتهم بميلفيل. هيرمان ميلفيل مؤلف محتال، كثيرا ما يورد على لسان إسماعيل كذباتٍ يريد منها أن تدفعنا إلى ما يعاكسها. يقول في أحد المواضع أنه لا يوجد -بالنسبة إليه- أمر أكثر بشاعة من أن يقرأ أحدهم مغامرته البحرية هذه على أنها قصة رمزية، في نفس الوقت الذي تنهمك فيه شخصياته في صناعة الرموز و إحكامها. أيضاً يحاول إسماعيل جاهدا أن يقنعنا أن كل الأشياء التي يذكرها عن الحيتان واقعية، يؤكد مرارا و تكرارا على هذه النقطة، مما يدفعنا دفعاً إلى الشك في هذا الادعاء و و الريبة من شخصية إسماعيل. بالنسبة إليّ، إحدى أكثر نقاط الرواية جذبا هي هذه الطبيعة الفانتازية اللانهائية للرواية. فلتتذكروا: هناك حوت واحد يريد القبطان إيهاب أن يعثر عليه و أن ينتقم منه. لكي يعثر إيهاب على حوته يتوجب عليه أن يقطع محيطات العالم العريضة و أن يتوافق و يلاقي الحوت ذات يوم! يريد ميلفيل أن يقنعنا أن أمرا مثل هذا ممكن أن يحدث، بينما نعلم نحن أننا قد نعيش مع شخص في مدينة واحدة (بل في حي واحد) دون أن نستطيع أن نلاقيه مصادفة دون تدبير. فما بالك بمحيطات العالم! انتبهوا، هذه النقطة ليست عيبا في الرواية بل نقطة جذب، إذ أن الرواية ميتافيزيقية و ليست واقعية، هذه اللانهائية تزيد من تجريد الرواية و ترفعها نحو المثالي و المطلق.

كثير هو النقاش الذي يتحدث عن وعورة الرواية و امتلائها بتفاصيل التحويت التي لا تصب في الحبكة الرئيسية، بل أن هناك من ينصح بالقفز فوق هذه الفصول و الاكتفاء بقراءة الصفحات التي تحتوي على أحداث و حركة، و تلك -لعمري- أغبى نصيحة قرائية سمعتها بحياتي. كما قلتُ سابقاً، هذه الرواية عبارة عن رحلة، سفينة الباقوطة تنتظرك على ميناء نينتاكت، و لكي تستمتع و تفهم ما يدور حولك ينوي ميلفيل أن يمطرك بكل معلومة أو تفصيل يمكن أن يكون له دخل بالتحويت. النقطة الثانية تخص موضوع القصة، فإذا كانت القصة تستخدم الحوت الأبيض كرمزٍ لفوضوية الطبيعة و فوضوية الإرادة المدبرة لتلك الطبيعة فمن الأحرى أن يكون بناء القصة أيضاً فوضوياً لا يسكن إلى نسق. في واحد من أجمل فصول الرواية (عن بياض الحيتان) يقول إسماعيل أن اللون الأبيض هو لون مرعب لأنه غياب الألوان و اجتماعها في نفس الوقت، إنه الكل و العدم، إنه لون اللانهاية. في فصلٍ آخر لا يقل روعة (عن الحيتان في اللوحات، في الأسنان، في الخشب، في الأعمدة، في الصخور، في الجبال، و في النجوم) يجعل إسماعيل الحوت مشهداً متواجدا في كل مظاهر الطبيعة، بل تستطيع أن تراه فوقك في قبة الفلك و في النجوم. الحوت رمز لفوضى الطبيعة و اضطرابها، و لذا حقّ للرواية أن تكون فوضى عارمة. الرواية لا تسكن إلى بناء ولا تتخذ أسلوبا واحدا، بل لو سألتني أن أصفها لك لقلت: "اقطع خمسمئة صفحة من موسوعة عن الحيتان، مئة صفحة من إحدى مسرحيات شكسبير، مئة صفحة من إحدى روايات مغامرات البحر بلسان راوٍ أول، و عندها سوف تخرج لك موبي ديك." ميلفيل لم يستخدم هذا الأسلوب الفوضوي عَرَضا أو لأن الرواية آنذاك كانت في بواكيرها كما يدعي البعض، لقد اتخذت الرواية شكلها الخاص قبل ميلفيل عن طريق كتاب كبار مثل والتر سكوت و ثاكري و ديكنز، بل إن روايات ميلفيل السابقة typee, omo كانت روايات تقليدية ذات بناء و نسق واضحين، و لكن لأن الرواية تتحدث عن بطل يثور على فوضى الطبيعة و لا معقوليتها، كان من الجدير بميلفيل أن يعمد إلى هذه الطريقة الفوضوية في كتابتها، و التي جعلت منها شيئا كبيرا لا نهائيا ضخما أشبه بالكون.

هناك نقطة لم يُشار إليها كثيراً و هي الكوميديا المتفجرة في سطور النص. لا أتذكر رواية كنتُ أضحك بصوتٍ عالٍ و أنا أقرأها كما حدث مع دون كيخوته و موبي ديك. الكوميديا في موبي ديك تعتمد بشكل عالٍ على اللغة أكثر من اعتمادها على الموقف، و لهذا يغيب الكثير من سحر الرواية بعد ترجمتها. في واحدٍ من أكثر المشاهد التي أضحكتني في الرواية، يتفاجأ إسماعيل أثناء إبحار الباقوطة بركلةٍ من مالك السفينة على مؤخرته. إسماعيل و نحن لسنا مستعدين لهذه الركلة، إذ أن إسماعيل عودنا على أن يكون كاميرتنا السلبية في الرواية، هو يراقب و يصف بدون أن يكون له دور إيجابي أو فعال. هكذا أراد ميلفيل أن يجعله. و لكن عندما تبحر السفينة يعتري مالكيها هياج غريب قبل توديعها، إنها فرصتهما الوحيدة كي يمارسا حياتهما الماضية (فلقد كانا بحارة فيما مضى) قبل أن يودعا السفينة. إنها اللحظة الأكثر حركة في النص، الكل يسحب و يتسلق و يجر و يحمل، بينما صرخات مالك السفينة القبطان بيليج تتعالى: Spring.. Spring.. "فزّوا على أرجلكم، اكسروا عواميدكم الفقرية شغلاً".. و لكن إسماعيل اعتاد و عودنا على أن يقف مراقبا يصف و حسب، ليُراع فجأة برجل القبطان بيليج و هي تركل مؤخرته. ميلفيل كان من العبقرية بمكان ليصنع هذه الركلة التي ذكرت إسماعيل و ذكرتنا أنه ليس من الكافي أن نراقب و حسب، بل إننا متورطون حتى أخمص قدمينا وسط الرحلة. الكوميدية لا تأتي من الموقف و حسب، و إنما باللغة الملتوية المضحكة التي يصف إسماعيل بواسطتها الموقف:

Meantime, overseeing the other part of the ship, Captain Peleg ripped and swore astern in the most frightful manner. I almost thought he would sink the ship before the anchor could be got up; involuntarily I paused on my handspike, and told Queequeg to do the same, thinking of the perils we both ran, in starting on the voyage with such a devil for a pilot. I was comforting myself, however, with the thought that in pious Bildad might be found some salvation, spite of his seven hundred and seventy-seventh lay; when I felt a sudden sharp poke in my rear, and turning round, was horrified at the apparition of Captain Peleg in the art of withdrawing his leg from my immediate vicinity. That was my first kick.

كيفَ تترجمُ هذه اللغة الفكاهية الملتوية؟ سأحاول:

"في هذه الأثناء، و بينما هو يراقب الجزء الآخر من السفينة، أخذ القبطان بيليج يعصف و يشتم فوق مؤخرة السفينة بطرقة بالغة في الرعب. كدتُ أعتقد أنه سيُغرق السفينة حتى قبل أن يسحبوا المرساة، توقفتُ لا شعورياً مستندا على رمحي و سألت كويويك أن يفعل مثلي، مفكرا في المخاطر التي يمكن أن نتعرض لها بانخراطنا في رحلةٍ قبطانها هو الشيطان نفسه. أخذت أطمئن نفسي أنه من الممكن أن نجد بعض الخلاص بواسطة بيلداد التقيّ، رغم قسطه السبعمئة و السبعة و السبعين، عندما استشعرتُ وخزةً مُفاجئة في مؤخرتي، و عندما استدرت، إذا بي أُراع بخيال القبطان بيليج و هو منخرط في عملية سحب قدمه من الجزء الأكثر خصوصية فيني. تلك كانت ركلتي الأولى."

لا يمكن أن توجد ترجمة تنصف السطور الإنجليزية الموجودة بالأعلى. تأملوا كيف وصف فعل الركلة بالحركة البطيئة بمجرد أن استخدام ألفاظا مثل: the art of withdrawing his leg from my immediate vicinity..

مثل هذه الفكاهة تتكرر كثيراً في ألفاظ ستوب Subb ، المساعد الثاني للقبطان إيهاب، و الذي يلجأ للضحك و الفكاهة في أكثر الأوقات حلكة كي يغطي جبنه. إحدى أكثر المقاطع لذة في الرواية هي تلك التي تصف الكلام الذي يتفوه به ستوب نحو بحارته كي يشجعهم على التجديف باتجاه الحيتان. ستوب لا يترك شتيمة أو لعنة إلا و يصبها فوق رؤوسهم:

Three cheers, men- all hearts alive! Easy, easy; don't be in a hurry- don't be in a hurry. Why don't you snap your oars, you rascals? Bite something, you dogs! So, so, so, then:- softly, softly! That's it- that's it! long and strong. Give way there, give way! The devil fetch ye, ye ragamuffin rapscallions; ye are all asleep. Stop snoring, ye sleepers, and pull. Pull, will ye? pull, can't ye? pull, won't ye? Why in the name of gudgeons and ginger-cakes don't ye pull?- pull and break something! pull, and start your eyes out! Here,"



في فصلٍ آخر، عندما يظهر القبطان إيهاب فوق الدكّة للمرة الأولى و يشير ستوب هازلاً للقبطان إيهاب أن ساقه العاجية تزعج نوم البحارة، يقوم القبطان إيهاب بركله، مما يحطم كرامة و إرادة ستوب المسكين تماماً. ينام ستوب متأثراً، و يحلمُ حلما غريبا مفاده أنه يركل هرما كبيرا شامخا، و عندما يجئ الصباح يتوجه ستوب نحو صديقه فلاسك ليحكي له الحكاية ثم يقول مبررا خنوعه بخصوص الركلة: "ليس من حقي أن أستاء أو أشكو إذ أن القدم التي ركلتني قدم صناعية.".. هل سبق أن قرأتم شيئاً أكثر فكاهة من هذا؟


أستطيع أن أتحدث عن موبي ديك بلا توقف، و لكني سأختم بالحديث عن تأثير أديب أحبه كان له الفضل الكبير في اتخاذ الرواية شكلها الحالي، و أعني به الأديب الأمريكي ناثانييل هوثورن Nathaniel Hawthorn. هوثورن من أحب الأدباء بالنسبة إلي، و يشكل مع بو و ميلفيل قمة أدب "إنجلترا الجديدة" الذي أعده أعظم أدب أمريكا. هوثورن هو أفضل من يكتب عن الشر، عن النواحي المظلمة في النفس البشرية، و رغم أن شهرته تعتمد على روايته الحرف القرمزي The Scarlet Letter، إلا أن عبقريته تتبدى واضحة في مجموعتيه القصصيتين: قصص من نزل قديم Moses from an old Manse و حكايات حُكيت مرتين Twice told stories. لا أعتقد أن هذه القصص قد ترجمت إلى العربية، و هي تستحق أن تترجم و أن تُقرأ و أن تُتجر. هوثورن هو أيضا أبو الأدب الرمزي، لا أحد يستخدم الرموز ببراعة مثل هوثورن. الكثير من النقاد يجزم أن موبي ديك عندما بدأت في عقل ميلفيل كانت فقط مشروع مغامرة صيد حيتان، إلا أن صداقة هوثورن التي بدأت سنة 1850 م جعلت ميلفيل يغير روايته مئة و ثمانين درجة ليجعلها رحلة ميتافيزيقية رمزية هي الأشهر في الأدب الأمريكي. الأمر لا يحطّ من شأن ميلفيل، فكما اقترح بوشكين موضوع رواية غوغول الأشهر (نفوس ميتة) كذلك فعل هوثورن. هو لم يقترح الموضوع و إنما غير الهدف و الأسلوب. هناك فصل بالغ الغرابة في رواية موبي ديك هو الفصل الثاني و العشرون The Lee Shore يرثي فيه ميلفيل إحدى شخصياته التي لم تظهر سوى مرة واحدة في بداية الرواية! كل من قرأ الرواية يتعجب من هذا الفصل و لا يفهمه، أما أنا فإني أفهمه كشاهدِ قبر يضعه ميلفيل فوق بطل مخطوطة روايته الأولى. كان ميلفيل يريد أن يكتب رواية مغامرات و صيد حيتان، و اختار لبطولتها شخصية أسماها بولكينجتون Bugkigton، ثم حدث و قابل هوثورن، و قرأ له، و تناقش معه في تلك الأمسيات الممتعة التي قضاها في منزله، ليتغير مشروع الرواية، و لينبثق القبطان إيهاب و الحوت الأبيض موبي ديك. لم يهن على ميلفيل أن يعيد كتابة فصوله السابقة أو أن يمحو اسم بولكينجتون. لقد اختار بكل بساطة أن يتخلص منه و أن يرثيه في ذاك الفصل القصير الغريب قائلاً:
 O Bulkigton! Bear thee grimly, demigod! Up from the spray of thy ocean-perishing-- straight up, leaps thy apotheosis