الاثنين، 10 يونيو، 2013

هيرمان هسه يحاكم كتبه


قبل أسبوع، تحدثت والصديق ممدوح عن موضوع طريف -لا أظن أنه طرق كفاية- وهو "محاكمة الكتب". هل الكتب أيضا تحاكم؟ بكل تأكيد، و أظن أن صفحات الأدب والنقد والتاريخ تمتليء بشواهد من هذا القبيل. عندما أردت أن أوضح لصديقي ما أعنيه بمحاكمة الكتب قلت محاولا أن أضع تعريفا: "لا أعني بمحاكمة الكتب اتخاذ رأي نقدي منها، إذ أن فعل المحاكمة حدث جديّ له تبعاته، وهو ينتهي بقرار مصيري بحق الكتاب؛ فإما الصفح والإبقاء على الكتاب، أو الإتلاف والنفي إلى مكان بعيد في أهون الحالات."

قلت بأن صفحات الأدب تمتليء بشواهد من هذا القبيل، ولعل أشهر مثال على الإطلاق هي تلك المحاكمة الشهيرة في الفصل السادس من رواية (دون كيخوته)، عندما رجع الفارس ذو الوجه الحزين -كما يطلق عليه- جريحا مصابا بعد مغامرته الأولى، مما دفع بابنة أخيه وخادمتهم وصديقيه الراهب والحلاق أن يقوموا بمحاكمة علنية تذكر بمحاكم التفتيش للتخلص من هذه الكتب التي أفسدت عقل دون كيخوته. هذا الفصل من أبرع وأطرف ما قرأت في حياتي، فعبر هذا الموقف البارع يستطيع المؤلف سيرفانتس أن يمرر أراءه بخصوص بعض كلاسيكيات الفروسية وبأدباء عصره، فنجد أنه يلقي بأغلبها من النافذة ثم إلى النار لاحقا، ولا تنجو إلا كتب معدودة، أحدها رواية (غالطيا) للمؤلف سيرفانتس نفسه!

عندما أردت أن أقدم شاهدا آخرا على هذه الممارسة ذكرت مقالا طريفا قرأته لهرمان هسه بعنوان (كتب في المحكمة). يذكر هسه أن ظروفه دفعته للتخلي عن جزء من مكتبته (قد تكون ضائقة مالية أو الانتقال إلى مكان لايتسع لكل هذه الكتب). وهكذا يجد نفسه فوق مقعد القاضي وهو يجري تحقيقا ومساءلة لكل رف وكل كتاب في مكتبته. من الواضح أن هسه كان يستحضر دون كيخوته وهو يكتب عن هذه المحاكمة الممتعة. المقالة من أمتع ما قرأت، وهي تعطي نظرة سريعة على ثقافة هيرمان هسه وذوقه وما يفضله من اختيارات. طلب مني الصديق ممدوح أن أترجم المقالة، وها أنا ذا لم أكتب هذه التدوينة إلا لأضع ترجمتي لمقالة هسه.

أحيانا لا يكون القاضي منصفا، وتتحول المحاكمة إلى إجراء صوري تدان فيه الكتب وتحرق من أجل إدانة مؤلفيها. تاريخنا يمتليء بشواهد من هذا القبيل: كتب ابن رشد أحرقت في قرطبة، وكتب لسان الدين بن الخطيب أحرقت في غرناطة، وقد تطال المحرقة أعمالا أخرى غير الكتب كما في محرقة سافونورولا الشهيرة، عندما قام بوتشيلي نفسه برمي لوحاته وسط اللهب تحت وازع من شعور ديني حديث.

محاكمة الكتب أمر شائع جدا ونحن نمارسها أحيانا دون أن ننتبه لها. عندما أردت أن أرجع من كندا إلى وطني، كان عليّ أن أنقل حصيلة سبع سنوات من الكتب، وهو ما ملأ أكثر من عشرين كرتونا. عندما كثرت الكراتين وزاد الوزن منذرا بفاتورة نقل خيالية كان عليّ أن أجري محاكمة سريعة أتخلى فيها عن بعض الكتب التي اشتريتها ثم ندمت على شرائها أو لم تلق مني قبولا بعد تصفحها. حينها تخلصت من روايات يوسا وماركيز ومورافيا وكثير من مؤلفي أمريكا الجنوبية المعاصرين. 

حتى في عملية اقتناء وشراء الكتب، هناك نوع من المحاكمة. عندما أدخل مكتبة أقوم بسرعة بسحب كل كتاب يروق لي غلافه أو عنوانه أو موضوعه. إنها ممارسة قديمة منذ طفولتي كنت أفعلها خوفا من أن يُباع الكتاب الذي أريده إذا غادرته. مع الوقت وتراكم التجربة اكتشفت أن الكتب التي اقتنيها من أقل الكتب شعبية وأقلها شراءا، لكن يظل ذلك الهاجس القديم وتظل تلك العادة الطفولية ملازمة لي لا تغادرني. أطوف بالمكتبة وأسحب كل ما أظن أنه سيعجبني حتى تثقل ذراعي تحت وطأة الكتب، ثم أجلس على كرسي أو دكة أو على الأرض وأبدأ بتصفح ومحاكمة ما سحبت واحدا واحدا، وفي أغلب الأحيان تعود كل تلك الكتب إلى أماكنها دون أن يحظى واحد منها على صك براءة.

والآن أدعكم مع مقالة هيرمان هسه الشيقة عندما حاكم كتبه ذات صباح...




كتب في المحكمة

 اضطررت منذ مدة أن أراجع كتبي مرة أخرى، فلقد أجبرتني الظروف أن أتخلى عن جزء من مكتبتي. و هكذا، إذا بي أقف أمام خزانات المكتبة و أتهادى خطوة خطوة أمام صفوف الكتب محدثا نفسي: "هل تحتاج هذا الكتاب؟ هل تحبه؟ هل أنت متأكد أنك ستقرأه مرة أخرى؟ هل سيؤلمك أن تتخلى عنه؟"

وبما أني أحد أولئك الذين لا يستطيعون التفكير بشكل "تاريخي"، ليس حتى في هذ الأزمان التي غدا فيها التفكير التاريخي في مقدمة الفكر الإنساني، ابتدأت مع الكتب التاريخية و لم ألق كثير عناء معها. طبعات من مذكرات أنيقة، كتب بيوغرافيا إيطالية و فرنسية، تواريخ البلاطات، مذكرات السياسيين؛  فلتذهب بعيدا! هل صادف ولو لمرة واحدة أن كان السياسيون على حق؟ أليس بيتا واحدا من شعر هولدرلن أكثر قيمة من جميع حكمة أولئك المتنفذين؟ فليذهبوا بعيدا!

بعدهم جاء تاريخ الفن. أعمال خلابة من متخصصي اللوحات الإيطالية والألمانية والبلجيكية والإنجليزية، مجلدات فاساري. مختارات من رسائل الفنانين؛ التخلص منها لم يؤلمني كثيرا. فلتذهب بعيداً!

و الآن، الفلاسفة. هل كان ضروريا أن أمتلك قاموس ماذنر؟ لا. أمن الوارد أن أعيد قراءة إدوارد فون هارتمان؟ آهٍ لا. لكن كانط؟ هنا ترددت. يصعب أن أحكم هل سأعيد القراءة أم لن أفعل. وهكذا سمحت له أن يبقى. نيتشه؟ لا غنى عنه، وكذا رسائله. فشنر؟ سيكون فقدا هاما، إذن يبقى. إميرسون؟ دعه يذهب. كيركجارد؟ إنه رجل سوف نتمسك به. شوبنهور فوق السؤال. الأنطولوجيات و المختارات؟ بالتأكيد تبدو جميلة: الروح الجرمانية- كتاب الجيتو- الألمان كما يظهرون في الكاركتير- هل يحتاج المرء أيا منها؟ فلتذهب بعيدا! فلتذهب كلها بعيدا!

والآن، الشعراء. لن أتحدث عن الحداثيين. لكن مراسلات جوته؟ جزء منها قمت برفضه. ماذا عن مجلدات جريلبرازر؟ أيجب التخلي عنها؟ لا، إطلاقا. وكامل مجموعة فون آرنيم؟ آه، لكن ذاك سيؤلمني. إذن يبقى. وكذا تايك، وأيضا فايلاند. هيردر تم التخلص من جزء محترم منه. بلزاك تمت مساءلته، ثم سمح له بالبقاء. أناتول فرانس جعلني أتوقف للتفكير. المرء يتحلى بأخلاق الفروسية تجاه أعدائه؛ سيبقى. ستاندال؟ مجلدات كثيرة، لكن لا غنى عنه. توماس مان؛ فوق السؤال. على صعيد آخر، مايترلينك، تم تشذيبه. أربع نسخ من ديكاميرون بيكاتشيو! واحدة فقط بقيت على الرف. بعدها تأتي رفوف مؤلفي آسيا الشرقية. بضعة أجزاء من لافكاديو هيرن شذبت. كل ما عداه يبقى.

بالنسبة للكتاب الإنجليز أسئلة كثيرة انبثقت. كل هذه المجلدات لبرنارد شو؟ بعضها يجب أن يرحل. كل ثاكري؟ النصف كفاية. أما فيلدنج وستيرن وديكنز فيبقون، حتى كتاباتهم الهامشية وأدبهم الثانوي.

بخصوص الروس الكل بقي تقريبا. مع غوركي وتورجنيف كانت هناك حيرة وتردد. مواعظ تولستوي شذبت بشدة. من بين الإسكندنافيين قليلون نفذوا. هيرمان بانج بقي، هامسون بقي، سترايندبرج بقي. بجورنسون تبخر. جيجرستام اختفى.


بعدها بأيام، بعد أن فرغت من المهمة، اكتشفت كم أن علاقتي بالكتب تغيرت مع السنين كباقي الأشياء. هناك أصناف كاملة من الأدب أستطيع الآن أن أتخلى عنها بثغر باسم. هنالك مؤلفون لم يعد من الممكن أن أتناولهم بجدية. لكن يالها من راحة أن كنوت هامسون ما زال حيا! ياله من حظ جيد أن ياميس ما زال هنا! وكم هو رائع أن خلت الرفوف من كل تلك المجلدات الضخمة عن حيوات الشعراء بمللهم وسيكولوجيتهم البائسة. الغرف تبدو أكثر إشراقا. الكنوز هي ما تبقى وها هي تبدو أكثربريقا. جوته ينتصب هنا، وهلدرلن هنا، كل دوستويفسكي هنا، ومورليك يبتسم، آرنم يغمز باستعراض، والملاحم الآيسلاندية تبقى صامدة في وجه الخطوب. مارتشن والحكايات الفولكلورية تبقى غير قابلة للزوال. و الكتب العتيقة، الكتب ذات الجلد الحيواني والهيئة الثيولوجية، والتي في أغلب الأحيان هي أعز من كل الكتب الجديدة، ما زالت باقية. إنها أشياء لا يمانع المرء –وقد تكون الاستثناء الوحيد- أن تبقى خالدة بعده.

هيرمان هسه
ترجمة: عدي الحربش