الأحد، 28 أبريل، 2013

أيضاً عالم برونو شولز




هذه القصة جميلة جداً، و لا تتحقق متعتها كاملة إلا بعد أن تتم قراءة قصة الطيور في التدوينة السابقة. ها هنا استكمال لصراع الوالد (جاكوب) بما يمثله من أحلام و جمال ضد شهوانية الخادمة آديلا و واقعية الأم. يقول شولز في قصة عرائس الخياط Tailor's Dummies متحدثا عن والده: "والدي، ذاك المرتجل الأخرق، ذاك السيّاف المحامي عن ملكة الخيال، لقد شنّ حربا ضد دفاعات و خنادق الشتاء الأجوف الفاسد. فقط الآن أستطيع أن أفهم ذاك البطل الوحيد الذي خاض بمفرده حربا ضروساً ضد الملل الأولي الغير مفهوم و الذي كان يحيط بخناق المدينة. بدون أي عون، بدون أي امتنان من قبلنا، كان ذاك الرجل الأكثر غرابة يدافع عن القضية الخاسرة للشعر."

ها هي القصة.. استمتعوا..




الصراصير

لقد حصل ما سأحكيه خلال فترة الأيام الرمادية التي تبعت انتهاء حقبة والدي البطولية، تلك الحقبة ذات الألوان الباهرة. ما تبعها كان أسابيع طويلة من الكآبة، أسابيع ثقيلة بدون آحادٍ أو عُطل، تحت سماوات مغلقة و فوق أراضٍ قاحلة. والدي حينها لم يعد معنا. الغرف في الطابق العلوي رُتبت و أُجّرت لسيدة تعمل مشغلة هاتف. من مملكة الطيور لم تبق سوى عينة واحدة: الكوندور المحشو و الذي يقف الآن فوق الرفّ في غرفة المعيشة. وسط برودة غسق الستائر المسحوبة كان يقفُ هناك، كما كان يفعل أثناء حياته، على قدمٍ واحدة، وقفة حكيمٍ بوذي، وجهه اليابس الناسك تعلوه ملامح ثابتة من اللامبالاة و الزهد. عيناه سقطتا و نشارة الخشب تتناثر من محجريه المغسولين بالدموع. وحدها الزوائد القرنية المصرية المتدلية من منقاره و العنق الصلعاء أعطيتا رأسه الكهل مسحة من الجلال الملكي.


حُلته الريشية كانت نهبة للعُث في أماكن متفرقة، ريشه الناعم الرمادي أخذ يتساقط، و هو ما كانت آديلا تكنسه مرة كل أسبوع مع غبار الغرفة. لو أمعن الواحد النظر في هذه البقع الصلعاء لرأى قماش الخيش الغليظ يرزح تحت وطأة قطع القنب التي تتفصد منه.


لقد كنتُ ممتلئاً باستياء خفيّ تجاه والدتي، ذلك أنها استطاعت أن تتجاوز موت والدي بسهولة. لم تكن تحبه أبداً –هذا ما كنتُ أعتقده- و بما أن والدي لم يتجذر داخل قلب امرأة، كان من المستحيل عليه أن يمتزج بأية حقيقة، لذا كان محكوماً عليه أن يطفو أبدياً في أطراف الحياة، في المناطق النصف حقيقية، في حواف الوجود. لم يستطع حتى أن يحظى بموت مواطن صالح، كل شيء يتعلق به يجب أن يكون غريباً و مثيراً للريبة. قررتُ في لحظةٍ مؤاتية أن أجبر أمي على الانصياع لمحادثةٍ صريحة. في ذلك اليوم (لقد كان يوماً شتائياً ثقيلاً و الضوء كان من بداية الصباح خافتاً و غسقياً) أمي كانت تعاني من الشقيقة، كانت مستلقيةً على أريكة في غرفة الضيوف.


في تلك الغرفة الاحتفالية، تلك الغرفة التي بالكاد تُزار، كان النظام يحكمُ منذ موت والدي، مفروضاً من قبل آديلا بواسطة الصقل و التلميع. الكراسي جميعها كانت مغطاة، كل الأغراض استسلمت للانضباط الحديدي الذي كانت آديلا تفرضه عليها. وحدها حزمة من ريش الطاووس كانت تنتصب وسط مزهريةٍ تعتلي مجموعة أدراج لم تكن تخضع لإرادة التصنيف و الترتيب. تلكم الريشات كانت خطرة، عناصر طائشة، تخفي تمردها، و كأنها مجموعة فتيات مدرسةٍ شقيات يظهرن بمظهر هادئ و منضبط، بينما هنّ يتفجّرن عبثاً عندما لا يراقبن. عيون تلكم الريشات لم تتوقف عن التحديق، لقد أحدثن ثقوباً في الحيطان، غامزات، مرفرات برموشهنّ، متبسماتٍ فيما بينهنّ، مقهقهات و ممتلئات حيوية. لقد ملأن الغرفة بالهمس و الثرثرة، و انتشرن كالفراشات حول المصابيح الكريستالية، مثل جمع مهرجين اندفعن يلامسن أسطح المرايا المغطاة، المرايا التي لم تعتد على مثل هذا الصخب و البهجة. لقد كن يسترقن النظر من ثقوب المفاتيح. حتى بوجود والدتي، التي كانت تستلقي فوق الأريكة و لفافة شاش تحيط برأسها، لم تستطع الريشات أن يتمالكن أنفسهنّ، أخذن يتغامزن، و يعملن إشاراتٍ بلغةٍ صامتةٍ ساهمة تمتلئ بمعانٍ خفية. بدأت انزعج من جراء هذه المؤمرة التي تُدار وراء ظهري. انحنيتُ ملامساً بركبتيّ أريكة أمي، متحسساً بإصبعيّ النسيج الناعم لملاءة والدتي المنزلية، قلتُ بصوتٍ خفيض:


"لقد كان بنيتي أن أسالك منذ وقتٍ طويل: إنه هو، أليس كذلك؟"


و رغم أني لم أشر حتى بعينيّ إلى طائر الكوندور، و الدتي خمنت مباشرةً، و انتابها الحرج، و أطرقت برأسها و عينيها إلى الأسفل. سمحت للصمت أن يستمر مدة طويلة من أجل أن أتذوق حلاوة اضطرابها، و عندها، و بصوتٍ هادئ جداً، متحكما بغضبي المتصاعد، سألتها:


"إذن ما معنى كل هذه القصص و الأكاذيب التي تنشرينها بخصوص والدي؟"


و لكن ملامحها، و التي انقبضت في البداية في فزع، سرعان ما تمالكت جأشها و استرجعت سابق انضباطها.


"أية أكاذيب؟" سألتني، رامشة بعينيها، و اللتين كانتا فارغتين، ممتلئتين بزرقة سماوية مظلمة دون أي بياض.


"لقد سمعتها من آديلا،" قلتُ لها، "و لكني أعلم أنها تصدرُ منك، و أنا الآن أريد أن أعرف الحقيقة."


شفتاها ارتعدتا بخفية، تحامت أن تنظر مباشرة في عينيّ، أما بؤبؤاها فلقد أخذا يتحركان ناحيتي طرف عينيها.


"لم أكن كاذبة،" هي قالت لتنتفخ شفتاها و لتصغرا في نفس الوقت. شعرتُ أنها تتصنع الخجل، و كما لو أنها امرأة في حظرة رجل غريب. "ما قلتهُ بخصوص الصراصير صحيح، أنت بنفسك بالتأكيد تذكر.."


أحسستُ بالربكة. تذكرتُ فعلاً غزو الصراصير، ذلك الطوفان الأسود الذي ملأ الظلمة ذات ليلةٍ بعدوٍ عنكبوتيّ. كل التشققات في الأرضية كانت ممتلئة بهمساتٍ متحركة، كل تجويف تمخّض فجأةً عن صرصار، من كل فتحةٍ انطلق تعرج براق أسود جنوني. آه من حمى الفزع الوحشية تلك إذ انبعثت من خط سوادٍ لامع على الأرض! آهٍ من صرخات الفزع التي انبعثت من حجرة والدي، قافزا من كرسي إلى آخر و المزراق وسط يديه!


رافضاً الطعام و الشراب، مكتسياً ببقع من الحمى فوق خديه، و بتقطيبة قرفٍ ترتسم بثباتٍ فوق ثغره، والدي تحول إلى مجنون. كان من الواضح أنه لا يوجد جسم بشري يستطيع أن يتحمل لمدةٍ طويلة هذا المقدار من الكراهية. مقت رهيب استطاع أن يحوّل سحنته إلى قناعٍ تراجيدي، حيثُ كانت الأحداقُ تختبئ بترقبٍ خلف الجفنين السفليين، بتوترٍ و كأنها أقواس، بسعارٍ يملأه الشك و الريبة. ما أكثر ما قفزَ من كرسيه فجأة، مصدراً صرخة مريعة، ليجري بعمىً نحو إحدى زوايا الغرفة، و ليطعن بمزراقه إلى الأسفل، و بعدها حين يرفعه، يتبين جرم صرصار مخزوق يطوّح برجليه بيأس. تخفُ آديلا حينها إلى النجدة لتأتي و تأخذ الرُمح بما يحمله من غنيمةٍ من والدي المتعب الشاحب، و لتقذف به في السطل. و لكن، حتى في ذلك الوقت، حينما كنتُ أحادث أمي، لم أستطع أن أتبين إن كانت هذه الصور قد زُرعت في عقلي بواسطة آديلا و قصصها أم أني شهدتها مباشرة بنفسي. والدي في ذلك الوقت لم يعد يمتلك قوى المقاومة تلك التي تحمي الناس الأصحاء من سحر الكراهية. بدلَ أن أن يحارب إغراء الكراهية ذاك أصبح والدي فريسة له. العواقب الوخيمة سرعان ما تتابعت. سرعان ما ظهرت أول الأعراض المريبة، لتملأنا بالخوف و الحزن. تغير سلوك والدي. جنونه، نشوة حماسه، سرعان ما انطفأت. على قسماته و في إشاراته تبدّت علائم الضمير المعذّب. بدأ يجنح إلى تجنبنا، و الاختباء لمدة أيام بلا نهاية في الزوايا و الدواليب و أسفل ريش العيدر. بصرتُ به مراتٍ عديدة و هو يحدقُ بجديةٍ في يديه، متفحصاً اتساق الجلد و الأظافر، حيثُ بدأت تظهر بقع سوداء كحراشف الصراصير.


أثناء النهار كان بإمكانه أن يقاوم بما تبقى لديه من قوة، فانخرط يعارك وسواسه، و لكن أثناء الليل، كان الوسواس يستولي عليه بالكامل. بصرتُ به ذات مرة متأخراً أثناء الليل، على ضوء شمعة مسندة على الأرضية. كان يستلقي على الأرض عارياً، ملوّثاً ببقع سواداء طوطمية، من تحت جلده كانت تتبدى خطوط أظلاعه واضحة؛ كان يستلقي على وجهه، واقعا تحت قبضة وسواس الكراهية الذي جره إلى هاوية طرقه المعقدة. تحرّك بأعضاءه المتعددة، حركات معقدة طقوسية تبيّنت فيها و الفزع يمسك بقلبي تقليداً لذاك الزحف الاحتفالي الخاص بالصرصار.


منذ ذلك اليوم اقتنعنا أن أبي سيضيع و تخلينا عنه. أخذ شبهه بالصراصير يزداد يومياً و يغدو أوضح- لقد كان يتحول واحدا منهم.


اعتدنا ذلك. بدأنا لا نراه إلا لمماً، إذ أنه كان يختفي لأسابيع بلا نهاية في دروبه الصرصورية المعقدة. صرنا لا نميزه، لقد اندمج بالكامل مع تلك القبيلة السوداء البغيضة. من يستطيع أن يقول ما إذا كان لا يزال يعيش في شق في الجدار، ما إذا كان قد فرّ ذات ليلةٍ عبر الغرف منهمكاً بمسائله الصرصورية، ما إذا كان واحدا من تلك الحشرات الميتة التي تجدها آديلا كل صباح مستلقية على ظهورها مفرجة أرجلها، و التي سرعان ما كانت آديلا تكنسها في المجرفة لتحرقها لاحقاً بقرف؟


"و رغم ذلك،" قلتُ بارتباك، "أنا متأكد أنهُ طير الكوندور هذا."


نظرت والدتي إليّ من تحت رموشها.


"يا حبيبي، لا تقم بتعذيبي؛ لقد أخبرتك ألف مرة أن والدك غير متواجد، إنه منهمك بالسفر في أرجاء البلاد: لقد حصل على وظيفة تاجر جوّال. أنت تعلمُ أنه يرجع أحيانا إلى المنزل أثناء الليل، ليغادر مباشرةً قبل طلوع الفجر." 



هل تذكرون المقارنة التي عقدتها ما بين كافكا و شولز؟ ها هو جاكوب يتحول إلى صرصار كما تحول جريجو سامسا إلى صرصار. الفرق بين التحولين هو الفرق ما بين الكاتبين. تحول سامسا في بداية القصة، تحول جاكوب في نهايتها. تحول سامسا غير مفهوم و لا مبرر كالحياة تماماً، تحول جاكوب نتيجة طبيعية لهزيمة الشعر و الأحلام أمام واقع الحياة المادية و الشهوات. تحول سامسا يملؤك قلقاً، تحول جاكوب يملؤك حزناً. كم أتمنى لو أقع على بيوغرافيا وافية عن حياة برونو شولز و العلاقة الحقيقية التي كانت تربطه بأبيه. لقد جعل من والده رمزا أسطورياً لكل ما هو جميل و متعالٍ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق